الخميس، 19 يناير 2012

حقيقة تلقين الميت : حكمه وموقف العلماء منه


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله, والصلاة والسلام على
رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد: فهذه نقلة يسيرة تتضمن
أصل التلقين وحكمه وموقف العلماء منه.
وقد أصبحت المسألة مثار جدل ونقاش
بين من يعتبر المسألة باطلة لا أصل لها , وبين من يأخذ بها ويعمل بمقتضاها , فأردت
هنا أن أزيل اللبس عن حقيقة المسألة لعل القارئ يتوصل بنفسه إلى عين الصواب من خلال
النصوص والآثار التي سنوردها في بحثنا هذا , فأقول مستعينا بالله عز وجل :
أما أصل التلقين فهو الحديث
الذي رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير ,فقد خَرَّج ـــ رحمه الله ـــ بسنده عن
الصحابي أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ,فقال: حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ أَنَسُ
بن سَلْمٍ الْخَوْلانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن إِبْرَاهِيمَ بن الْعَلاءِ
الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بن
مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ يَحْيَى بن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بن عَبْدِ
اللَّهِ الأَوْدِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ،
فَقَالَ:
" إِذَا أَنَا مِتُّ، فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نصْنَعَ بِمَوْتَانَا، أَمَرَنَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:"إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ
إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُم التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ
عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلانَ بن فُلانَةَ، فَإِنَّهُ
يَسْمَعُهُ وَلا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلانَ بن فُلانَةَ، فَإِنَّهُ
يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلانَ بن فُلانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ:
أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللَّهُ، وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ، فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا
خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ،
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبًّا،
وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ
مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ، وَيَقُولُ:
انْطَلِقْ بنا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ
اللَّهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ
لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ:"فَيَنْسِبُهُ إِلَى حَوَّاءَ، يَا فُلانَ بن
حَوَّاءَ".انتهى من كتاب: المعجم الكبير لمؤلفه : سليمان ابن أحمد بن أيوب بن
مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى : 360هـ), الحديث رقم:7906 ,ج:7
,ص:286 .
والحديث له طرق يتقوى بها،يقول ا لإمام ابن الملقن رحمه الله كما في :"خلاصة
البدر المنير": "رواه الطبراني في أكبر معاجمه هكذا، وليس في إسناده إلا
سعيد بن عبد الله فلا أعرفه، وله شواهد كثيرة يعتضد بها ذكرتها في الأصل ,
وإِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا ، وَذكره الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فِي «جَامع
الدُّعَاء الصَّحِيح» ، وَزَاد بعد قَوْله : «قد لقن حجَّته» : «وَيكون الله
(حجَّته) دونهمَا» . قَالَ : وَقد أرخص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي تلقين
الْمَيِّت ، وَأَعْجَبهُ ذَلِك ، وَقَالَ : (أهل) الشَّام يَفْعَلُونَهُ . قَالَ
أَبُو مَنْصُور : وَهُوَ من العزمات والتذكير بِاللَّه ، و (السماح) بذلك مأثور
عَن السّلف ، وَقَالَ الْحَافِظ زَكى الدّين فِي الْجُزْء الَّذِي خرجه فِي
التَّلْقِين بعد أَن سَاقه : وَفِيه بعد الشَّهَادَتَيْنِ «وَأَن السَّاعَة آتِيَة
لَا ريب فِيهَا ، وَأَن الله (يبْعَث) من فِي الْقُبُور» . قَالَ أَبُو نعيم
الْحداد : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث حَمَّاد بن زيد ، مَا كتبته إِلَّا من
حَدِيث سعيد (الْأَزْدِيّ) ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سعيد (الْأَزْدِيّ) عَن
أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رَوَى عَنهُ ... سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك . قَالَ
الْمُنْذِرِيّ : هَكَذَا قَالَ : (الْأَزْدِيّ) وَوَقع فِي روايتنا «الأودي» ،
وَهُوَ مَعْنَى الْمَجْهُول ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي فِي
الضُّعَفَاء» : سعيد (الْأَزْدِيّ) لم أر لَهُ ذكر فِي الضُّعَفَاء وَلَا غَيرهم .
قلت : لَكِن حَدِيثه هَذَا لَهُ شَوَاهِد يعتضد بهَا".انتهى من كتاب: البدر
المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير لمؤلفه: ابن الملقن
سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى : 804هـ)ج:5 ص:335.
ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني
في كتابه التلخيص الحبير :"وإسناده ـــ أي الحديث ــــــ صالح وقد قواه
الضياء في أحكامه, وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي وَالرَّاوِي عَنْ
أَبِي أُمَامَةَ سَعِيدٌ الْأَزْدِيُّ بَيَّضَ لَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَلَكِنْ
لَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدِ
بْنِ سَعْدٍ وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا إذَا سُوِّيَ عَلَى
الْمَيِّتِ قَبْرُهُ وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ
يُقَالَ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ يَا فُلَانُ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّه
قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُلْ رَبِّي اللَّهُ
وديني الإسلام ونبيي محمد ثم ينصرف." ج:2,ص:311 من كتاب: التلخيص الحبير في
تخريج أحاديث الرافعي الكبير,لمؤلفه : أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن
حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ).
ويقول ابن
حجر الهيثمي في تحفة المحتاج الجزء الثالث:
(ويستحب تلقين بالغ عاقل أو مجنون سبق له تكليف ولو شهيدا كما اقتضاه إطلاقهم بعد
تمام الدفن لخبر فيه وضعفه اعتضد بشواهد على أنه من الفضائل) على هذا فإن الحديث
يعمل به على أن التلقين من باب الفضائل.
ويقول ابن القيم رحمه الله في
كتابه:الروح: فصل ويدل على هذا أيضا ما جرى عليه عمل الناس قديما وإلى الآن: من
تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثا وقد
سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه واحتج عليه بالعمل, ويروى فيه حديث ضعيف
ذكره الطبراني في معجمه من حديث أبى أمامة قال قال رسول الله إذا مات
أحدكم.....الحديث*
فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل به في
سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كاف في العمل به وما أجرى الله سبحانه العادة
قط بأن أمه طبقت مشارق الأرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولا وأوفرها معارف تطيق
على مخاطبة من لا يسمع ولا يعقل وتستحسن ذلك لاينكره منها منكر بل سنه الأول للآخر
ويقتدي فيه الآخر بالأول فلولا أن المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب
والخشب والحجر والمعدوم وهذا وان استحسنه واحد فا لعلماء قاطبة على استقباحه
واستهجانه
وقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم حضر جنازة رجل فلما دفن قال سلوا لأخيكم التثبيت
فإنه الآن يسأل فأخبر أنه يسأل حينئذ وإذا كان يسأل فإنه يسمع التلقين
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن
الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا منصرفين. انتهى من كتاب: الروح في الكلام على
أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة لمؤلفه : محمد بن أبي بكر أيوب
الزرعي أبو عبد الله ابن القيم الجوزية,ج:1,ص:13 .


ويقول فخر الدين عثمان بن علي
الزيلعي (المتوفى : 743هـ) في كتابه: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق:ج:3 ,ص:157:
قَالَ فِي الْحَقَائِقِ قَالَ صَاحِبُ الْغِيَاثِ سَمِعْت أُسْتَاذِي قَاضِي خَانْ
يَحْكِي عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ لَقَّنَ بَعْضَ
الْأَئِمَّةِ بَعْدَ دَفْنِهِ ، وَأَوْصَانِي بِتَلْقِينِهِ فَلَقَّنْتُهُ بَعْدَ
مَا دُفِنَ ثُمَّ نَقَلَ صَاحِبُ الْحَقَائِقِ مَا نَقَلَهُ أَوَّلًا عَنْ قَاضِي
خَانْ .
وَعِبَارَتُهُ فِي
الْمَنْظُومَةِ فِي بَابِ الشَّافِعِيِّ وَيَحْسُنُ التَّلْقِينُ وَالتَّسْمِيعُ ،
قَالَ فِي الْحَقَائِقِ ذَكَرَ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الصَّفَّارُ فِي
التَّلْخِيصِ أَنَّ تَلْقِينَ الْمَيِّتِ مَشْرُوعٌ لِأَنَّهُ تُعَادُ إلَيْهِ
رُوحُهُ ، وَعَقْلُهُ وَيَفْهَمُ مَا يُلَقَّنُ قُلْت وَلَفْظُ التَّسْمِيعِ
يُخَرَّجُ عَلَى هَذَا وَصُورَتُهُ أَنَّهُ يَقُولُ يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ
اُذْكُرْ دِينَكَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا
وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نَبِيًّا ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يُفِيدُ التَّلْقِينُ بَعْدَ
الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ عِنْدَهُمْ مُسْتَحِيلٌ .
ا هـ مَا قَالَهُ فِي الْحَقَائِقِ .
وفي كتاب: درر الحكام شرح غرر
الأحكام لمؤلفه : محمد بن فراموز الشهير بمنلا خسرو (المتوفى : 885هـ):ج:2,ص:244:
وَأَمَّا تَلْقِينُ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ فَمَشْرُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ
السُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيهِ فِي الْقَبْرِ وَصُورَتُهُ أَنْ
يُقَالَ : يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ
اللَّهِ اُذْكُرْ دِينَك الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ وَقُلْ رَضِيتُ بِاَللَّهِ
رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَالْأَشْهَرُ أَنَّ
السُّؤَالَ حِينَ يُدْفَنُ وَقِيلَ فِي بَيْتِهِ تُقْبَضُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ
وَتَنْطَبِقُ كَالْقَبْرِ ، فَإِنْ قِيلَ هَلْ يُسْأَلُ الطِّفْلُ الرَّضِيعُ
فَالْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ ذِي رُوحٍ مِنْ بَنِي آدَمَ ، فَإِنَّهُ يُسْأَلُ فِي
الْقَبْرِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنْ يُلَقِّنُهُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ
لَهُ : مَنْ رَبُّك ثُمَّ يَقُولُ لَهُ : قُلْ اللَّهُ رَبِّي ثُمَّ يَقُولُ لَهُ
: مَا دِينُك ثُمَّ يَقُولُ لَهُ قُلْ دِينِي الْإِسْلَامُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ
مَنْ نَبِيُّك ثُمَّ يَقُولُ لَهُ قُلْ نَبِيِّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُلَقِّنُهُ بَلْ يُلْهِمُهُ اللَّهُ
حَتَّى يُجِيبَ كَمَا أَلْهَمَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَهْدِ ا هـ .
وفي كتاب التاج والإكليل لمختصر
خليل لمؤلفه محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري أبو عبد الله
المتوفى سنة 897ه,ج:2,ص:238: قَالَ
أَبُو حَامِدٍ : وَيُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ .
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي
مَسَالِكِهِ : إذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ قَبْرَهُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُهُ
فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَهُوَ فِعْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الصَّالِحِينَ مِنْ
الْأَخْيَارِ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ
الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إلَى
التَّذْكِيرِ بِاَللَّهِ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَائِكَةِ.
وفي كتاب : تحفة الحبيب على شرح
الخطيب ( البجيرمي على الخطيب )
لمؤلفه : سليمان بن محمد بن عمر
البجيرمي الشافعي ج:2,ص:587: وعبارة المرحومي : ويسن تلقين الميت لقوله تعالى : (
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ). وأحوج ما يكون العبد إلى التذكر في هذه الحالة ،
وهو : يا عبد الله ابن أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا
إله إِلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن القبر حق وأن
الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام
ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً .
ويسنّ إعادة التلقين ثلاثاً ، ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن ، وإن ختموا
القرآن كان أفضل ؛ شرح الروض اه .
وفي كتاب : حاشية الجمل على شرح
منهج الطلاب لمؤلفه : سليمان بن عمر الجمل (المتوفى : 1204هـ)[ هو حاشية على (شرح
منهج الطلاب) الذي شرح به زكريا الأنصاري (المتوفى : 926هـ) كتابه منهج الطلاب.
ومنهج الطلاب هذا هو مختصر اختصره زكريا الأنصاري من منهاج الطالبين للنووي
(المتوفى : 676 هـ) ]:ج:7,ص:201: وَيُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْمُكَلَّفِ
بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ لِخَبَرِ { إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ
وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ فَإِذَا
انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ } الْحَدِيثَ فَتَأْخِيرُ تَلْقِينِهِ لِمَا بَعْدَ
إهَالَةِ التُّرَابِ أَقْرَبُ إلَى حَالَةِ سُؤَالِهِ فَيَقُولُ لَهُ يَا عَبْدَ
اللَّهِ ابْنَ أَمَةِ اللَّهِ اُذْكُرْ مَا خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا
شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ
وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ
السَّاعَةَ آتِيَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي
الْقُبُورِ وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا
وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا وَبِالْقُرْآنِ
إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا وَأَنْكَرَ
بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ ابْنَ أَمَةِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ دُعَاءُ
النَّاسِ بِآبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ
فِي صَحِيحِهِ .
ويقول الشيخ عبد الغني الغنيمي الدمشقي الحنفي في كتابه اللباب في شرح الكتاب
ج1/125 قال: "وأما تلقينه (أي الميت) في القبر فمشروع عند أهل السنة لأن الله
تعالى يحييه في قبره". انتهى.
أما الإمام القرطبي صاحب التفسير المشهور فقد أفرد للتلقين باباً من كتابه التذكرة
بأحوال الموتى والآخرة (ص138-139) أسماه: باب ما جاء في تلقين الإنسان بعد موته
شهادة الإخلاص في لحده، وقد ذكر أن العمل جرى في قرطبة على تلقين الميت واستشهد
بنصيحة شيخه أبي العباس القرطبي في جواز التلقين.
وقال الإمام النووي في المجموع ج5/303-304: "قال جماعات من أصحابنا يستحب
تلقين الميت عقب دفنه" .. ثم قال: "ممن نص على استحبابه: القاضي حسين
والمتولي والشيخ نصر المقدسي" ... وقال: "وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح
رحمه الله عنه فقال: التلقين هو الذي نختاره ونعمل به"، ثم قال النووي: "ولم
يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يُقتدى به وإلى الآن". انتهى كلام
النووي.
وقال الإمام أبو القاسم الرافعي الشافعي في كتابه فتح العزيز بشرح الوجيز (المطبوع
في أسفل كتاب المجموع ج5/242): "ويستحب أن يُلقن الميت بعد الدفن فيقال: يا
عبد الله بن أمة الله ...إلى آخره .
وقد ذكر الإمام منصور بن يوسف البهوتي الحنبلي في كتابه الروض المربع ص104 التلقين
ورجحه.
ويقول الإمام المرداوي الحنبلي في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
ج2/548-549 : "فائدة يستحب تلقين الميت بعد دفنه عند أكثر الأصحاب".
انتهى. تنبيه:ثبت سماع الموتى في أحاديث مشهورة ،ومنهاما رواه البخاري أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قام على قليب بدر وفيه قتلى المشركين فجعل يناديهم
بأسمائهم وأسماء ءابائهم "يا فلان ابن فلان"، قال: "إنا وجدنا ما
وَعَدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً"، فقال عمر: "ما
تُكَلّم من أجساد لا أرواح لها"، فقال رسول الله: "والذي نفس محمد بيده
ما أنتم بأسمع ما أقول منهم"، وكذلك حديث البخاري الذي رواه عن أنس عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العبد إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه
إنه ليسمع قرع نعالهم.إهـ.
وأما قوله تعالى: "وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ"،
فالمراد بها تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه عليه الصلاة
والسلام وهم أحياء، ذكره ابن حجر في الفتح ج7/354 والقرطبي في تفسيره
ج14/305)انتهى.
ويقول الإمام ابن كثير في
تفسيره لهذه الآية: { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } أي: كما لا
يسمع وينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم، وهم كفار بالهداية والدعوة
إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كُتِب عليهم الشقاوة لا حيلةَ لك فيهم، ولا
تستطيع هدايتهم.تفسير ابن كثير ج:5,ص:543. وقال رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية:
{ فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا
وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ
تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } .
يقول تعالى: كما أنك ليس في
قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامَك الصم الذين لا يسمعون، وهم مع
ذلك مُدْبِرُون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق، وردهم عن ضلالتهم،
بل ذلك إلى الله تعالى، فإنه بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي
مَنْ يشاء، ويضل مَنْ يشاء، وليس ذلك لأحد سواه؛ ولهذا قال: { إِنْ تُسْمِعُ إِلا
مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } أي: خاضعون مستجيبون مطيعون،
فأولئك هم الذين يستمعون الحق ويتبعونه، وهذا حال المؤمنين، والأول مَثَلُ
الكافرين، كما قال تعالى: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }.
وقد استدلت أم المؤمنين عائشة،
رضي الله عنها، بهذه الآية: { إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } ، على توهيم عبد
الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم القتلى الذين ألقوا في
قَلِيب بدر ، بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم ، حتى قال له عمر: يا
رسول الله، ما تخاطب من قوم قد جَيَّفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم
بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون". وتأولته عائشة على أنه قال:
"إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق". وقال قتادة: أحياهم الله له
حتى سمعوا مقالته تقريعًا وتوبيخًا ونقمة.
والصحيح عند العلماء رواية ابن
عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد
البر مصححًا [له] ، عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم،
كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه
السلام" .
[وثبت عنه صلى الله عليه وسلم
أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي صلى الله
عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول
المسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب
لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار
عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر، فروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور
عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من
رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده، إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم".
وروي عن أبي هريرة، رضي الله
عنه، قال: إذا مر رجل بقبر يعرفه فسلم عليه، رد عليه السلام.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن
رجل من آل عاصم الجَحْدَرِي قال: رأيت عاصمًا الجحدري في منامي بعد موته بسنتين،
فقلت: أليس قد متّ؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا -والله -في روضة من رياض
الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله
المزني، فنتلقى أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات! قد بليت
الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم
بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت: فكيف ذلك
دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته.
قال: وحدثنا محمد بن الحسين،
ثنا بكر بن محمد، ثنا حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت
حتى نأتي أهل الجبان، فنقف على القبور فنسلم عليهم، وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات
يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين؟ قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم
الجمعة ويومًا قبلها ويومًا بعدها. قال: ثنا محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان قال:
ثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرًا يوم السبت قبل طلوع
الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.
حدثنا خالد بن خِدَاش، ثنا جعفر
بن سليمان، عن أبي التَّيَّاح يقول: كان مُطَرَّف يغدو، فإذا كان يوم الجمعة أدلج.
قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينزل بغوطة، فأقبل ليلة حتى إذا كان
عند المقابر يقوم وهو على فرسه، فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسًا على قبره،
فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة ويصلون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول
فيه الطير. قلت: وما يقولون؟ قال: يقولون سلام عليكم؛ حدثني محمد بن الحسن، ثنا
يحيى بن أبي بكر ، ثنا الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي
جزعت عليه جزعًا شديدًا، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم
إني أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبي
قد انفرج، وكأنه قاعد في قبره متوشح أكفانه، عليه سِحْنَة الموتى، قال: فكأني بكيت
لما رأيته. قال: يا بني، ما أبطأ بك عني؟ قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟ قال: ما جئت مرة
إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك، قال: فكنت آتيه بعد ذلك
كثيرًا.
حدثني محمد، حدثنا يحيى بن
بَسْطام، ثنا عثمان بن سُوَيْد الطُّفَاوي قال: وكانت أمه من العابدات، وكان يقال
لها: راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخري وذخيرتي من
عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت ولا توحشني. قال: فماتت.
فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور، فرأيتها ذات يوم في
منامي، فقلت لها: يا أمي، كيف أنت؟ قالت: أي: بني، إن للموت لكربة شديدة، وإني
بحمد الله لفي برزخ محمود يفرش فيه الريحان، ونتوسد السندس والإستبرق إلى يوم
النشور، فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من
زياراتنا والدعاء لنا، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، يقال لي:
يا راهبة، هذا ابنك، قد أقبل، فأسر ويسر بذلك مَنْ حولي من الأموات.
حدثني محمد، حدثنا محمد بن عبد
العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى
الجبان، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على المقابر فقال: آنس الله
وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا يزيد على هؤلاء الكلمات،
قال: فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، قال:
فبينا أنا نائم إذا بخلق قد جاءوني، فقلت: ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل
المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، قلت:
وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت فإني أعود لذلك، قال: فما
تركتها بعد.
وأبلغ من ذلك أن الميت يعلم
بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك: حدثني ثور بن يزيد، عن
إبراهيم، عن أيوب قال: تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا حسنًا فرحوا
واستبشروا وإن رأوا سوءًا قالوا: اللهم راجع به.
وذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن
أبي الحواري قال: ثنا محمد أخي قال: دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح وهو على
فلسطين فقال: عظني، قال: بِمَ أعظك، أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على
أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عملك، فبكى
إبراهيم حتى أخضل لحيته. انتهى من تفسير ابن كثير ج:6,ص:325,326 .
وقال الإمام الزركشي رحمه الله
في كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" ص (121):
"أخرج البخاري عن ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر
فقال: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقا" ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما
أقول" ، فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنهم
ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق". قال السهيلي في الروض: "وعائشة لم
تحضر، وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا له: يا رسول الله،
أتخاطب قوما قد جيفوا أو أجيفوا؟ فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" ،
وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم،
إذا قلنا: إن الروح تعاد إلى الجسد أو إلى بعضه عند المسألة. وهو قول جمهور أهل
السنة، وإما بأذن القلب أو الروح على مذهب مَنْ يقول بتوجه السؤال إلى الروح من
غير رجوع إلى الجسد أو إلى بعضه. قال: وقد روي أن عائشة احتجت بقوله تعالى: (وما
أنت بمسمع من في القبور) وهذه الآية كقوله: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي) أي:
إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويدخل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت، وجعل الكفار
أمواتًا وصمًا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة
إذا شاء، فلا تعلق لها في الآية لوجهين: أحدهما: أنها إنما نزلت في دعاء الكفار
إلى الإيمان، الثاني: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله،
فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو".
وجاء في تفسير: أضواء البيان في
إيضاح القرآن بالقرآن لمؤلفه : محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني
الشنقيطي (المتوفى : 1393هـ), وبعد أن أورد المؤلف كلاما مطولا لابن القيم
قال:..... ثم ذكر ابن القيم تنفيذ خالد وأبي بكر الصديق رضي اللَّه عنهما، وصية
ثابت بن قيس بن شماس رضي اللَّه عنه بعد موته، وفي وصيّته المذكورة قضاء دين عينه
لرجل في المنام، وعتق بعض رقيقه، وقد وصف للرجل الذي رآه في منامه الموضع الذي جعل
فيه درعه الرجل الذي سرقها، فوجدوا الأمر كما قال، وقصّته مشهورة.
وإذا كانت وصية الميّت بعد موته
قد نفذها في بعض الصور أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك يدلّ على
أنه يدرك ويعقل ويسمع، ثم قال ابن القيم في خاتمه كلامه الطويل: والمقصود جواب
السائل وأن الميّت إذا عرف مثل هذه الجزئيات وتفاصيلها، فمعرفته بزيارة الحي له
وسلامه عليه ودعائه له أولى وأحرى"، اهـ.
فكلام ابن القيم هذا الطويل
الذي ذكرنا بعضه جملة وبعضه تفصيلاً، فيه من الأدلّة المقنعة ما يكفي في الدلالة
على سماع الأموات، وكذلك الكلام الذي نقلنا عن شيخه أبي العباس بن تيمية، وفي
كلامهما الذي نقلنا عنهما أحاديث صحيحة، وآثار كثيرة، ومرائي متواترة وغير ذلك،
ومعلوم أن ما ذكرنا في كلام ابن القيّم من تلقين الميّت بعد الدفن، أنكره بعض أهل
العلم، وقال: إنه بدعة، وأنه لا دليل عليه، ونقل ذلك عن الإمام أحمد وأنه لم يعمل
به إلاّ أهل الشام، وقد رأيت ابن القيم استدلّ له بأدلّة، منها: أن الإمام أحمد
رحمه اللَّه سئل عنه فاستحسنه. واحتجّ عليه بالعمل. ومنها: أن عمل المسلمين اتّصل
به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار. ومنها: أن الميّت يسمع قرع نعال
الدافنين إذا ولّوا مدبرين، واستدلاله بهذا الحديث الصحيح استدلال قوي جدًّا؛ لأنه
إذا كان في ذلك الوقت يسمع قرع النعال، فلأن يسمع الكلام الواضح بالتلقين من أصحاب
النعال أولى وأحرى، واستدلاله لذلك بحديث أبي داود: "سلوا لأخيكم التثبيت
فإنه الآن يسأل" ، له وجه من النظر؛ لأنه إذا كان يسمع سؤال السائل فإنه يسمع
تلقين الملقن، واللَّه أعلم.
والفرق بين سماعه سؤال الملك
وسماعه التلقين من الدافنين محتمل احتمالاً قويًّا، وما ذكره بعضهم من أن التلقين
بعد الموت لم يفعله إلا أهل الشام، يقال فيه: إنهم هم أول من فعله، ولكن الناس
تبعوهم في ذلك، كما هو معلوم عند المالكية والشافعية. قال الشيخ الحطاب في كلامه
على قول خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: "وتلقينه الشهادة، وجزم النووي
باستحباب التلقين بعد الدفن". وقال الشيخ زروق في شرح "الرسالة
والإرشاد" ، وقد سئل عنه أبو بكر بن الصلاح من المالكية، فقال: "هو الذي
نختاره ونعمل به، وقد روينا فيه حديثًا عن أبي أُمامة ليس بالقوي، ولكنه اعتضد
بالشواهد، وعمل أهل الشام قديمًا"، إلى أن قال: "وقال في المدخل: ينبغي
أن يتفقده بعد انصراف الناس عنه، من كان من أهل الفضل والدين، ويقف عند قبره تلقاء
وجهه ويلقنه؛ لأن الملكين عليهما السلام، إذ ذاك يسألانه وهو يسمع قرع نعال
المنصرفين".
وقد روى أبو داود في سننه عن
عثمن رضي اللَّه عنه، قال: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من
دفن الميّت وقف عليه، وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن
يسأل" ، إلى أن قال: "وقد كان سيّدي أبو حامد بن البقال، وكان من كبار
العلماء والصلحاء، إذا حضر جنازة عزى وليّها بعد الدفن، وانصرف مع من ينصرف،
فيتوارى هنيهة حتى ينصرف الناس، ثم يأتي إلى القبر، فيذكرّ الميّت بما يجاوب به
الملكين عليهما السلام، انتهى محل الغرض من كلام الحطاب. وما ذكره من كلام أبي بكر
بن الطلاع المالكي له وجه قوي من النظر، كما سترى إيضاحه إن شاء اللَّه تعالى. ثم
قال الحطاب: واستحب التلقين بعد الدفن أيضًا القرطبي والثعالبي وغيرهما، ويظهر من
كلام الأبي في أوّل كتاب الجنائز يعني من صحيح مسلم، وفي حديث عمرو بن العاص في
كتاب "الإيمان" ميل إليه"، انتهى من الحطاب. وحديث عمرو بن العاص
المشار إليه، هو الذي ذكرنا محل الغرض منه في كلام ابن القيم الطويل المتقدّم.
قال مسلم في "صحيحه"
: حدّثنا محمّد بن المثنى العنزي، وأبو معن الرقاشي، وإسحاق بن منصور، كلّهم عن
أبي عاصم. واللفظ لابن المثنى: حدّثنا الضحاك، يعني أبا عاصم، قال: أخبرنا حيوة بن
شريح، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن
العاص، وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً وحوّل وجهه إلى الجدار"، الحديث. وقد
قدّمنا محل الغرض منه بلفظه في كلام ابن القيّم المذكور، وقدّمنا أن حديث عمرو هذا
له حكم الرفع، وأنه دليل صحيح على استئناس الميّت بوجود الأحياء عند قبره.
وقال النووي في "روضة
الطالبين" ، ما نصّه: "ويستحبّ أن يلقن الميّت بعد الدفن، فيقال: يا عبد
اللَّه ابن أمة اللَّه اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة ألا إله إلاّ اللَّه،
وأنّ محمّدًا رسول اللَّه، وأنَّ الجنّة حقّ، وأن النار حقّ، وأن البعث حقّ، وأن
الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث من في القبور، وأنت رضيت باللَّه ربًّا،
وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، وبالقرءان إمامًا، وبالكعبة
قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، وردّ به الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
قلت: هذا التلقين استحبّه
جماعات من أصحابنا، منهم القاضي حسين، وصاحب التتمة، والشيخ نصر المقدسي في كتابه
"التهذيب" وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقًا، والحديث الوارد
فيه ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم، وقد
اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة؛ كحديث: "اسألوا له
التثبيت" ، ووصية عمرو بن العاص: أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم
لحمها حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربّي، رواه مسلم في صحيحه، ولم يزل
أهل الشام على العمل بهذا التلقين، من العصر الأول، وفي زمن من يقتدى به"،
اهـ محل الغرض من كلام النووي.
وبما ذكر ابن القيّم وابن
الطلاع، وصاحب المدخل من المالكية، والنووي من الشافعية، كما أوضحنا كلامهم تعلم
أن التلقين بعد الدفن له وجه قوي من النظر؛ لأنه جاء فيه حديث ضعيف، واعتضد بشواهد
صحيحة، وبعمل أهل الشام قديمًا، ومتابعة غيرهم لهم.
وبما علم في علم الحديث من
التساهل في العمل بالضعيف، في أحاديث الفضائل، ولا سيّما المعتضد منها بصحيح،
وإيضاح شهادة الشواهد له أن حقيقة التلقين بعد الدفن، مركبة من شيئين:
أحدهما : سماع الميّت كلام
ملقنه بعد دفنه.
والثاني : انتفاعه بذلك
التلقين، وكلاهما ثابت في الجملة، أما سماعه لكلام الملقن فيشهد له سماعه لقرع نعل
الملقن الثابت في الصحيحين، وليس سماع كلامه بأبعد من سماع قرع نعله؛ كما ترى.
وأمّا انتفاعه بكلام الملقن، فيشهد له انتفاعه بدعاء الحي وقت السؤال في حديث:
"سلوا لأخيكم التثبيت فإنه يسأل الآن" ، واحتمال الفرق بين الدعاء
والتلقين قوى جدًا كما ترى، فإذا كان وقت السؤال ينتفع بكلام الحي الذي هو دعاؤه
له، فإن ذلك يشهد لانتفاعه بكلام الحي الذي هو تلقينه إياه، وإرشاده إلى جواب
الملكين، فالجميع في الأول سماع من الميت لكلام الحي، وفي الثاني انتفاع من الميت
بكلام الحي وقت السؤال، وقد علمت قوة احتمال الفرق بين الدعاء والتلقين.
وفي ذلك كله دليل على سماع
الميّت كلام الحي، ومن أوضح الشواهد للتلقين بعد الدفن السّلام عليه، وخطابه خطاب
من يسمع، ويعلم عند زيارته، كما تقدّم إيضاجه؛ لأن كلاًّ منهما خطاب له في قبره،
وقد انتصر ابن كثير رحمه اللَّه في تفسير سورة "الروم" ، في كلامه على
قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ
الدُّعَاءَ} ، إلى قوله: {فَهُمْ مُسْلِمُونَ} ، لسماع الموتى، وأورد في ذلك
كثيرًا من الأدلّة التي قدمنا في كلام ابن القيّم، وابن أبي الدنيا وغيرهما،
وكثيرًا من المرائي الدالَّة على ذلك، وقد قدّمنا الحديث الدالّ على أن المرائي
إذا تواترت أفادت الحجّة، ومما قال في كلامه المذكور: وقد استدلّت أُمّ المؤمنين
عائشة رضي اللَّه عنها بهذه الآية: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، على
توهيم عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، في روايته مخاطبة النبيّ صلى الله عليه
وسلم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام، إلى أن قال: "والصحيح
عند العلماء رواية عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، لما لها من الشواهد على
صحتها، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البرّ مصحّحًا له عن ابن عباس مرفوعًا:
"ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه" ، الحديث.
وقد قدّمناه في هذا المبحث
مرارًا، وبجميع ما ذكرنا في هذا المبحث، في الكلام على آية "النمل" هذه،
تعلم أن الذي يرجّحه الدليل: أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم سواء قلنا: إن
اللَّه يردّ عليهم أرواحهم حتى يسمعوا الخطاب ويردّوا الجواب، أو قلنا: إن الأرواح
أيضًا تسمع وتردّ بعد فناء الأجسام، لأنا قد قدّمنا أن هذا ينبني على مقدّمتين،
ثبوت سماع الموتى بالسنة الصحيحة، وأن القرءان لا يعارضها على التفسير الصحيح الذي
تشهد له القرائن القرءانيّة، واستقراء القرءان، وإذا ثبت ذلك بالسنة الصحيحة من
غير معارض من كتاب، ولا سنّة ظهر بذلك رجحانه على تأوّل عائشة رضي اللَّه عنها،
ومن تبعها بعض آيات القرءان، كما تقدّم إيضاحه. وفي الأدلّة التي ذكرها ابن القيّم
في كتاب الروح على ذلك مقنع للمنصف، وقد زدنا عليها ما رأيت، والعلم عند اللَّه
تعالى.انتهى من تفسير أضواء البيان ج:6,ص:137 ـــــــ 142 .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ قَبْرَهُ قَالَ الَّذِينَ
يُدْخِلُونَهُ ( بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ
سَلَّمَهُ إِلَيْكَ الْأَشِحَّاءُ مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ
وَإِخْوَانِهِ ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ
الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ ، وَنَزَلَ بِكَ
وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ ، إِنْ عَاقَبْتَهُ فَبِذَنْبِهِ وَإِنْ عَفَوْتَ
فَأَنْتَ أَهْلُ الْعَفْوِ ، أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى
رَحْمَتِكَ ، اللَّهُمَّ اشْكُرْ حَسَنَاتِهِ وَاغْفِرْ سَيِّئَاتِهِ وَأَعِذْهُ
مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ
وَاكْفِهِ كُلَّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ ، اللَّهُمَّ اخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ
فِي الْغَابِرِينَ ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ
رَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ :
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الدُّعَاءَ ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ السَّلَفِ
وَمُوَافِقٌ لِلْحَالِ ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُ وَلَا نَقْصٌ
عَنْهُ وَبِأَيِّ شَيْءٍ دَعَا جَازَ .



وكتب: إسحاق بن موسى بن الشيخ سيدي
كان الله تعالى لهم ولجميع
المسلمين بمنه وكرمه وفضله وليا ونصيرا ــــ آمين ـــــ

النكاح الباطل ومسألة إلحاق الولد


بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله أحمده وأستعينه
وأستهديه وأستغفره, وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من
يهده الله فهو المهتد, ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا, وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا
شريك له, وأشهد أن محمدا رسول الله أرسله ربه للعالمين بالحق بشيرا
ونذيرا, وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا, فاللهم صل وبارك وسلم عليه
تسليما كثيرا.
أما بعد فهذه فتوى تتعلق بأحكام
النكاح الباطل , وما يترتب عليه من مسألة إلحاق الولد.

قال ابن القيّم ـــ رحمه الله
ــــــ في أعلام الموقعين:
(فصل) : وكان السّلف من الصّحابة والتّابعين يكرهون
الشّروع في الفتوى ويود أحدهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنّها قد تعينت عليه
بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسّنة وأقوال الخلفاء الرّاشدين، ثمّ
أفتى، وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين
ومائة من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أراه قال في المسجد فما كان
منهم أحد يحدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلاّ ود أن أخاه قد كفاه
الفتيا.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما أن كل من أفتى النّاس
في كل ما يسألون عنه لمجنون, وقال سحنون بن سعيد أجسر النّاس على الفتيا أقلهم
علماً اهـ.
وقال في كتاب آداب الفتيا: اعلم
أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، لكنه معرض للخطإ والخطر، ولهذا
قالوا: المفتي مُوَقِّع عن الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء،
حتى إذا لم يُبقِ عالما، اتخذ الناس رؤوساً جُهَّالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم،
فضلوا وأضلوا " ، رواه الشيخان. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "عسى رجل
أن يقول: إن الله أمر بكذا، أو نهى عن كذا، فيقول الله له: كذبت"، رواه
الطبراني.
وعن الشافعي رحمه الله, وقد سئل
عن مسألة فسكت ولم يجب، فقيل له: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي، أو في
الجواب. وعن مالك رحمه الله، أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة، فلا يجيب في واحدة
منها؛ وكان يقول: من أجاب في مسألة، فينبغي قبل الجواب، أن يعرض نفسه على الجنة
والنار، وكيف خلاصه، ثم يجيب. وعن أبي حنيفة رحمه الله، أنه سئل عن سبع مسائل،
فقال فيها: لا أدري. وعن الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يكثر أن يقول: لا
أدري، وذلك لما عرف من الأقاويل.
وَفِي أَثَرٍ مَرْفُوعٍ ذَكَرَهُ
أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ
مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلَائِكَةُ الْأَرْضِ» .
وَسُئِلَ مالك عَنْ مَسْأَلَةٍ
فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهَا مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ،
فَغَضِبَ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} , فَالْعِلْمُ
كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَخَاصَّةً مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, قَالَ:
وَإِذَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
تَصْعُبُ عَلَيْهِمْ الْمَسَائِلُ، وَلَا يُجِيبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ
حَتَّى يَأْخُذَ رَأْيَ صَاحِبِهِ مَعَ مَا رُزِقُوا مِنْ السَّدَادِ
وَالتَّوْفِيقِ وَالطَّهَارَةِ، فَكَيْفَ بِنَا الَّذِينَ غَطَّتْ الذُّنُوبُ
وَالْخَطَايَا قُلُوبَنَا؟ وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا سُئِلَ عَنْ
مَسْأَلَةٍ فَكَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَسُئِلَ
الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا
تَسْتَحْيِي مِنْ قَوْلِكَ لَا أَدْرِي
وَأَنْتَ فَقِيهُ أَهْلِ الْعِرَاقِ؟ فَقَالَ: لَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ
تَسْتَحِي حِينَ قَالُوا: {لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا} . وَقَالَ
بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: تَعَلَّمْ لَا أَدْرِي فَإِنَّكَ إنْ قُلْتَ لَا أَدْرِي
عَلَّمُوكَ حَتَّى تَدْرِيَ، وَإِنْ قُلْتَ: أَدْرِي سَأَلُوكَ حَتَّى لَا
تَدْرِيَ. وَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ أَرْبَعَةً
وَثَلَاثِينَ شَهْرًا، فَكَانَ كَثِيرًا مَا يُسْأَلُ فَيَقُول: لَا أَدْرِي.
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ
لَا يَكَادُ يُفْتِي فُتْيَا وَلَا يَقُولُ شَيْئًا إلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ
سَلِّمْنِي وَسَلِّمْ مِنِّي, وَسُئِلَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شَيْءٍ،
فَقَالَ: إنِّي لَا أُحْسِنُهُ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إنِّي جِئْتُكَ لَا
أَعْرِفُ غَيْرَكَ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: لَا تَنْظُرُ إلَى طُولِ لِحْيَتِي
وَكَثْرَةِ النَّاسِ حَوْلِي، وَاَللَّهِ مَا أُحْسِنُهُ، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ
قُرَيْشٍ جَالِسٌ إلَى جَنْبِهِ: يَا ابْنَ أَخِي الْزَمْهَا، فَوَاَللَّهِ مَا
رَأَيْنَاكَ فِي مَجْلِسٍ أَنْبَلَ مِنْكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ الْقَاسِمُ: وَاَللَّهِ
لَأَنْ يُقْطَعَ لِسَانِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّم بِمَا لَا عِلْمَ
لِي بِهِ.....انتهى.
وعليه فليس من شأن المفتى أن
يحقق الوقائع ويطلب الدليل على صحتها، وإنما ذلك من شأن القضاء، ولكن من حق المفتى
أن يطمئن ويرتاح إلى سلامة الحادثة التي يتحدث عن حكم الله تعالى فيها, ولذلك نكتفي
ببيان الشروط المعتبرة شرعا لصحة النكاح ,وخاصة منها شرط الإشهاد, ثم ببيان أنه بفقد أحد
هذه الشروط يعتبر النكاح فاسدا, وما هو النكاح الفاسد؟ وما هي
الآثار المترتبة عليه؟, ثم نبين حكم طلاق المكره في ذاته بقطع النظر عن النازلة
المعروضة, وهل تحقق فيها إكراه أولا، على أن الإكراه في حقيقته الشرعية لابد أن
يكون بأمر يلجئ المكره ويحمله حملا على فعل ما أكره عليه وإتيانه لخوفه من إيقاع
ما هدد به وعدم احتماله إياه، سواء كان ذلك في النفس أو في المال أو في غير ذلك
مما يوقع به ضررا ماديا أو أدبيا لا يحتمله على خلاف بين الفقهاء.
إن الإسلام احترم
إرادة الإنسان ، وبالتالي حاسبه على إرادته واختياره ، فمتى ارتبط بأي امرأة فإنه
سوف يلحقه ما ولدته منه سواء أراد ذلك أم أبى أعلن عن هذا الزواج أم لم يعلن ، وثقه
في المحاكم أو السجلات الخاصة أم لم يوثقه ، ولكنه لم ينس أن يضع الحدود والقيود لضمان
حق الزوجين, لتسير الحياة كما أرادها صانع
الحياة سبحانه وتعالى، ولم ينس أن يوجه كلا الطرفين إلى الاختيار السليم لبناء
أسرة متماسكة مترابطة .
والله سبحانه وتعالى شرع الزواج، وجعله شعيرة من
شعائر دينه الحنيف الذي ارتضاه لعباده وحثهم عليه ورغبهم فيه، وجعل لهم
الأسوة في ذلك بمن بعثهم وأرسلهم من الأنبياء والمرسلين صلوات الله
عليهم أجمعين.. كل ذلك لما فيه من حكم بالغة، وما يحققه من مصالح وأهداف، تعود على
الإنسان بخير دنياه وآخرته، وعلى البشرية كافة بصالح حالها ومآلها. ولعل من
أهم هذه الحكم والأهداف التي تتحقق باستمرار هذه الشعيرة:
1ــــــــ تحقيق العبودية
لله بتنفيذ أمره .2 ـــــــ غض البصر وحفظ الفرج. 3 ــــــــ إنجاب الذرية
واستمرار النسل. 4 ـــــــــ تحقيق السكن النفسي والروحي. 5 ـــــــ المحافظة على
الأنساب. 6 ـــــــ صيانة المجتمعات البشرية من خطر الأمراض الفتاكة والأدواء
المعدية. 7 ــــــــ تحقيق الفطرة الإنسانية وإشباعها. 8 ــــــ تحقيق الستر
للمرأة والرجل. 9 ـــــــ تأجيج عاطفتي الأمومة والأبوة. 10 ــــــ استمرار الخلافة
في الأرض, ووضع الشارع
الحكيم شروطاً وضوابط لهذا الزواج حتى يكون صحيحاً، وعلى الوجه المطلوب شرعاً،
وهذه الشروط أربعة هي:
1- تعيين
الزوجين.
2- رضا الزوجين، فلا يجوز إكراه أحدهما على الآخر،
وتستأذن البكر والثيب، والإذن "صمات البكر، ونطق الثيب".
3- الولي، ويشترط أن يكون ذكراً حراً، بالغاً عاقلاً،
رشيداً عدلاً، ويشترط الاتفاق في الدين، وأبو المرأة أحق بتزويجها.
4- الشهادة، فلا يصح النكاح إلا بشاهدين عدلين، ذكرين
مكلفين. هذه هي
الشروط المعتبرة شرعاً لصحة الزواج.
·
أما اشتراط الشهادة في عقد النكاح: فقد
اختلف العلماء في أصل الشهادة في عقد النكاح، وعند تأمل أقوال الفقهاء يتبين أن
الخلاف في اشتراط الشهادة في عقد النكاح منحصر في قولين، وسبب الخلاف يرجع إلى
أمرين: الأول: هو المقصود من الشهادة في النكاح، هل هي حكم شرعي يجب امتثاله
والعمل به، أم يقصد بها التوثيق وسد ذريعة الاختلاف؟ فمن قال إنها حكم شرعي، قال
إن الشهادة شرط في صحة عقد النكاح، ومن قال: إنها توثيق لم يشترط الشهادة في عقد
النكاح، كالرهن والكفالة لا تشترط في البيوع. الثاني: الاختلاف في تصحيح أحاديث
اشتراط الشهادة في عقد النكاح، فمن صححها أو بعضها قال باشتراط الشهادة، ومن رأى
عدم صحتها قال بخلاف ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاويه
:...
وَقَدْ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ هَذَا عَنْ هَذَا فَقِيلَ:
الْوَاجِبُ الْإِعْلَانُ فَقَطْ سَوَاءٌ أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ كَقَوْلِ
مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَحْمَد فِي
رِوَايَةٍ. وَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِشْهَادُ سَوَاءٌ أَعْلَنَ أَوْ لَمْ يُعْلِنْ
كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَد. وَقِيلَ:
يَجِبُ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَد. وَقِيلَ:
يَجِبُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ عَنْ أَحْمَد. وَاشْتِرَاطُ
" الْإِشْهَادِ " وَحْدَهُ ضَعِيفٌ؛ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ
وَلَا فِي السُّنَّةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ حَدِيثٌ. وَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي
يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ دَائِمًا لَهُ شُرُوطٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى
فَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا. وَإِذَا كَانَ
هَذَا شَرْطًا كَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا
لَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أَوْجَبَهُ
اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَاكِحِهِمْ. قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ
وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ شَيْءٌ وَلَوْ
أَوْجَبَهُ لَكَانَ الْإِيجَابُ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَجِبُ
إظْهَارُهَا وَإِعْلَانُهَا فَاشْتِرَاطُ الْمَهْرِ أَوْلَى؛ فَإِنَّ الْمَهْرَ
لَا يَجِبُ تَقْدِيرُهُ فِي الْعَقْدِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
وَلَوْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ: وَلَمْ
يُضَيِّعُوا حِفْظَ مَا لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً مِنْ مَعْرِفَتِهِ
فَإِنَّ الْهِمَمَ وَالدَّوَاعِيَ تَتَوَافَرُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ وَاَلَّذِي
يَأْمُرُ بِحِفْظِ ذَلِكَ. وَهُمْ قَدْ حَفِظُوا نَهْيَهُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ
وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ قَلِيلًا؛
فَكَيْفَ النِّكَاحُ بِلَا إشْهَادٍ إذَا كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَدْ
حَرَّمَهُ وَأَبْطَلَهُ كَيْفَ لَا يُحْفَظُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ لَوْ نُقِلَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ
مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَكَانَ مَرْدُودًا عِنْدَ مَنْ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ؛
فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَعْظَمَ مِنْ
الْبَلْوَى بِكَثِيرِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ نِكَاحٍ
لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِشْهَادِ؛ وَقَدْ عَقَدَ الْمُسْلِمُونَ
مِنْ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ؛ فَعُلِمَ
أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِشْهَادِ دُونَ غَيْرِهِ بَاطِلٌ قَطْعًا؛ وَلِهَذَا كَانَ
الْمُشْتَرِطُونَ لِلْإِشْهَادِ مُضْطَرِبِينَ اضْطِرَابًا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ
الْأَصْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ قَوْلٌ يَثْبُتُ عَلَى مِعْيَارِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ
فِيهِمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ وَالشَّهَادَةُ الَّتِي لَا
تَجِبُ عِنْدَهُمْ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِيهَا بِإِشْهَادِ ذَوِي الْعَدْلِ
فَكَيْفَ بِالْإِشْهَادِ الْوَاجِبِ. ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ
" بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ " وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي
النِّكَاحِ ثُمَّ يَأْمُرُونَ بِهِ فِي النِّكَاحِ وَلَا يُوجِبُهُ أَكْثَرُهُمْ
فِي الرَّجْعَةِ وَاَللَّهُ أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ؛ لِئَلَّا
يُنْكَرَ الزَّوْجُ وَيَدُومُ مَعَ امْرَأَتِهِ فَيُفْضِي إلَى إقَامَتِهِ مَعَهَا
حَرَامًا؛ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى طَلَاقٍ لَا رَجْعَةَ مَعَهُ
لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانِ عقيب الْعِدَّةِ فَيَظْهَرُ
الطَّلَاقُ. وَلِهَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ مِمَّا يَعِيبُ بِهِ أَهْلُ
الرَّأْيِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ؛ وَهُمْ
أُمِرُوا بِهِ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَالْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ دَلَّ
الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ
يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِإِشْهَادِ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ وَذَلِكَ أَنَّ
النِّكَاحَ أُمِرَ فِيهِ بِالْإِعْلَانِ فَأَغْنَى إعْلَانُهُ مَعَ دَوَامِهِ عَنْ
الْإِشْهَادِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَالنَّاسُ
يَعْلَمُونَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَكَانَ هَذَا الْإِظْهَارُ الدَّائِمُ
مُغْنِيًا عَنْ الْإِشْهَادِ كَالنَّسَبِ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَاجُ إلَى
أَنْ يُشْهِدَ فِيهِ أَحَدًا عَلَى وِلَادَةِ امْرَأَتِهِ؛ بَلْ هَذَا يَظْهَرُ
وَيَعْرِفُ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ هَذَا فَأَغْنَى هَذَا عَنْ الْإِشْهَادِ؛
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُجْحَدُ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ
الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَظْهَرُ
فِيهِ كَانَ إعْلَانُهُ بِالْإِشْهَادِ. فَالْإِشْهَادُ قَدْ يَجِبُ فِي
النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُعْلَنُ وَيَظْهَرُ؛ لَا لِأَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لَا
يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ؛ بَلْ إذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتهُ ثُمَّ خَرَجَا
فَتَحَدَّثَا بِذَلِكَ وَسَمِعَ النَّاسُ أَوْ جَاءَ الشُّهُودُ وَالنَّاسُ بَعْدَ
الْعَقْدِ فَأَخْبَرُوهُمْ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا: كَانَ هَذَا كَافِيًا.
وَهَكَذَا كَانَتْ عَادَةُ السَّلَفِ لَمْ يَكُونُوا يُكَلِّفُونَ إحضار
شَاهِدَيْنِ وَلَا كِتَابَةَ صَدَاقٍ وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِالْإِيجَابِ مِنْ
اشْتِرَاطِ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ
إلَّا مَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ: فَهَذَا أَيْضًا لَا يَحْصُلُ بِهِ
الْمَقْصُودُ. وَقَدْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَوْجَبَ مَنْ يَكُونُ مَعْلُومَ
الْعَدَالَةِ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ قَطْعًا فَإِنَّ أَنْكِحَةَ
الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَزِمُونَ فِيهَا هَذَا. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ
الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد عَلَى قَوْلِهِ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ.
فَقِيلَ: يُجْزِئُ فَاسِقَانِ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ
مَسْتُورَانِ وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: فِي الْمَذْهَبِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ. وَقِيلَ: بَلْ
إنْ عَقَدَ حَاكِمٌ فَلَا يَعْقِدُهُ إلَّا بِمَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ بِخِلَافِ
غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْحُكَّامَ هُمْ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمَبْرُورِ
وَالْمَسْتُورِ. ثُمَّ الْمَعْرُوفُ الْعَدَالَةِ عِنْدَ حَاكِمِ الْبَلَدِ:
فَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: حَيْثُ
يَعْقِدُونَ الْأَنْكِحَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ
وَالْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُهُمْ.( مجموع الفتاوى لابن تيمية ج:32\الصفحات:127
ـــــــــــــــ 130).
v
تحرير محل النزاع:
اتفق الجميع أنه لا بد من إظهار عقد النكاح للتفريق بين المعقود عليها بنكاح وغير
المعقود عليها، واختلف في حقيقة إظهار النكاح، فطائفة شرطت إظهاره بالشهود، وطائفة
قالت: يتحقق الإظهار بإخراجه عن أن يكون سراً غير مكتوم وإن لم يحضره أحد، ثم يشهد
بعد ذلك.(1).
v
القول الأول: إن الشهادة
شرط لصحة عقد النكاح: وهو قول الإمام أبي حنيفة، والشافعي، والمشهور عن الإمام
أحمد، وقال به من الصحابة أمير المؤمنين عمر وعلي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم.(2).
، ومن التابعين سعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن والنخعي وقتادة والثوري والأوزاعي.(3).
وقال ابن رشد: "وكثير من الناس رأى هذا داخلاً في باب الإجماع وهو ضعيف"(4)..
v
القول الثاني: الشهادة
ليست شرطاً في صحة عقد النكاح: وهذا هو قول الإمام مالك(5)، وداود الظاهري، ورواية
عن الإمام أحمد، وفعله ابن عمر رضي الله عنه، وقال به من التابعين الحسن بن علي
وابن الزبير وسالم وحمزة ابنا عبد الله بن عمر، وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن
مهدي ويزيد بن هارون والعنبري وأبو ثور وابن المنذر، والليث، وهو اختيار شيخ
الإسلام ابن تيمية.
v
الأدلة: أدلة القول الأول: أولاً:
استدلوا
بعدة أحاديث تدل على اشتراط الشاهدين في عقد النكاح، منها: 1 – ما روي عن عائشة
رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي
وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا
ولي له"(6). ، ففي هذا الحديث نص صريح على نفي صحة النكاح إلا بالشاهدين كما
أنه لا يصح إلا بولي. 2 – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين ومهر ما قل أو كثر"(7). وهذا دليل
ظاهر على وجوب الشاهدين في عقد النكاح. 3 – عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"(8). 4 – وعن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بأربعة:
خاطب وولي وشاهدين"(9). 5 – وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "لا بد في النكاح من أربعة: الولي والزوج والشاهدين"(10).
وغيرها
من الأحاديث الدالة على اشتراط الشاهدين في النكاح. 6 – روي عن الحسن أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل"(11).
قال الشافعي رحمه الله: هذا وإن كان منقطعاً دون النبي صلى الله عليه وسلم فإن
أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: هو الفرق بين النكاح والسفاح. ثانياً: استدلوا
أيضاً بآثار مروية عن عدد من الصحابة منها: 1 – عن الحسن وسعيد بن المسيب أن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"(12). 2 –
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة،
فقال: "هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمته"(13).. قال
الزركشي: وخص النكاح – والله أعلم – باشتراط الشهادة، دون غيره من العقود، لما فيه
من تعلق حق غير المتعاقدين وهو الولد. 3 – عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
"لا نكاح إلا بولي ولا نكاح إلا بشهود"(14).. ثالثاً: من المعنى: 1 –
قالوا: إن اشتراط الشهادة في النكاح آكد من اشتراطها في البيع؛ لأن النكاح يتعلق
به حق غير المتعاقدين، وهو الولد؛ لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه بخلاف البيع. 2 –
ولأن في اشتراط الشهادة في عقد النكاح احتياطاً للأبضاع، وصيانة للأنكحة عن
الجحود.
v مناقشة هذه الأدلة: الأحاديث التي استدلوا بها لا
تخلو في جملتها من مقال، ولا يثبت في اشتراط الشهادة حديث يتعين القول به والمصير
إليه، وقد ضعف هذه الأحاديث بعامة عدد من الأئمة، فمن أقوالهم: أ – قال الإمام
أحمد رحمه الله في رواية الميموني: "لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في
الشاهدين شيء"(15). ب – وقال ابن المنذر: "لا يثبت في الشاهدين في
النكاح خبر"(16). ج- وقال ابن عبد البر وقد روي بإسناده حديث "لا نكاح
إلا بولي وشاهدين عدلين) عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر، قال: "إلا أن في
نقله ذلك ضعفاً فلم أذكره"(17). د – وقال الزيلعي: "والأحاديث كلها
مدخولة"(18).. هـ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس في اشتراط الشهادة
في النكاح حديث ثابت، لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المساند"(19). وأجيب
عن هذه المناقشة: بأنه قد صحح بعض أحاديث اشتراط الشهادة في عقد النكاح عدد من
أساطين الحديث وأئمة الحفظ، ومن ذلك: 1 – قال ابن حبان في حديث عائشة الأول:
"ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر"(20).
قال
ابن الملقن: "هو كما قال وله طرق أخرى فيها ضعف لا حاجة إليها معه"(21).
2 – قال الشافعي رحمه الله في حديث عمران: "وهذا وإن كان منقطعاً فإن أكثر
أهل العلم يقولون به"(22). ، وصحح الذهبي إسناده(23). 3 – قال أبو عيسى
الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك – من
مضى منهم – إلا قوماً من المتأخرين من أهل العلم"(24). يرد عن هذه الإجابة:
لو سلمنا بصحة حديث (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) فقد أجاب بعض المالكية الذين
يشترطون الشهادة في الدخول دون العقد بأن النفي دائر بين القضاء والفتوى، ولم ينص
على أحدها فهو مطلق فيهما ونحن نحمله على القضاء فلا يحكم حاكم بصحة نكاح إلا
ببينة، أما الحل، فثابت دون البينة(25) .
v أدلة القول الثاني: أولاً:
استدلوا بالعموميات: 1 – بعموم قول الله تعالى:
"فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ" ، فلم يذكر الله تعالى
الشهادة، فيبقى النص على الإطلاق ولا تشترط الشهادة(26). 2 – وبعموم قول الله
تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" ،
والنكاح من العقود التي يجب الوفاء بها دون شهود.(27). ثانياً: من السنة: 1 – عن
أنس بن مالك رضي الله عنه: "اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم جارية بسبعة
أرؤس، فقال الناس: ما ندري أتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جعلها أم ولد؟
فلما أراد أن يركب حجبها فعلموا أنه تزوجها"(28). وجه الاستدلال: أنهم لم
يستدلوا على تزويجها إلا بالحجاب مما دل على عدم اشتراط الإشهاد في عقد النكاح.(29).
2 – وروى عباد بن سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنكحك آمنة
بنت ربيعة بن الحارث، قال: بلى، قد أنكحتها ولم يشهد"(30). 3 – ولما روي أن
علياً زوج أم كلثوم من عمر ولم يشهد. ثالثاً: استدلوا بآثار رويت عن بعض الصحابة،
منها: 1 – احتج الإمام أحمد بأن ابن عمر زوج بلا شهود، وهو من أشد الصحابة رضي
الله عنهم تمسكاً بالسنة، فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن حبيب
مولى عروة بن الزبير قال: بعثني عروة إلى عبد الله بن عمر لأخطب له ابنة عبد الله،
فقال عبد الله: نعم إن عروة لأهل أن يزوج، ثم قال: ادعه، فدعوته لم يبرح حتى زوجه،
قال حبيب: وما شهد ذلك غيري وعروة وعبد الله(31). 2 – فعله الحسن بن علي وابن
الزبير، وسالم وحمزة ابنا عبد الله بن عمر. رابعاً: استدلوا أيضاً بعدة تعليلات
وأقيسة، منها: 1 – قياس النكاح على الرهن والكفالة في عدم اشتراط الإشهاد فيها
بجامع أن كلاً منها عقد توثيق. 2 – قالوا: ولأن كل شخص لا يحتاج إليه في إيجاب ولا
قبول لم يكن حضوره شرطاً في انعقاد النكاح كالزوجة وسائر الأجانب.
v وجاء في كتبهم ما يلي :
جاء في كتاب: المدونة: ج 2\127:
[النِّكَاحُ بِغَيْرِ
بَيِّنَةٍ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ
بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَأَقَرَّ الْمُزَوِّجُ بِذَلِكَ أَنَّهُ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ
بَيِّنَةٍ أَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَتَكُونُ الْعُقْدَةُ
صَحِيحَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ:نعم.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ
إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
«أَلَا أُنْكِحُكَ أُمَيْمَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ؟ قَالَ: بَلَى
قَدْ أَنْكَحْتهَا وَلَمْ يُشْهِدْ» ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ
حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ خَطَبَ عَلَى ابْنِهِ إلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ابْنَتَهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ
يُزَوِّجَهُ قَالَ لَهُ حَمْزَةُ أَرْسِلْ إلَى أَهْلِك، قَالَ سَالِمٌ:
فَزَوَّجَهُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ فِي
النِّكَاحِ والعَتاقة.
وجاء في كتاب: التهذيب في اختصار المدونة
لمؤلفه: خلف بن أبي القاسم
محمد، الأزدي القيرواني، أبو سعيد ابن البراذعي المالكي (المتوفى: 372هـ) ج2\162
دراسة وتحقيق: الدكتور محمد
الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ:
ومن نكح بغير بينة على غير استسرار أشهد الآن وجاز
نكاحه، وإن أقر الزوج والولي بالعقد ثم قالا أو أحدهما لم يُشهد، أشهدا الآن وليس
لأحدهما فسخه.
وفي كتاب: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
لمؤلفه: شمس الدين أبو عبد الله
محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي
(المتوفى: 954هـ): ج3\410
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي
الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَفْذَاذِ فِي النِّكَاحِ وَالْعتَاقِ,
عِيَاضٌ: الْأَفْذَاذُ الْمُتَفَرِّقُونَ وَهُوَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ الشُّهُودُ
عَلَى شَهَادَةِ الْمُتَنَاكِحَيْنِ وَالْوَلِيِّ إذَا عَقَدُوا النِّكَاحَ
وَتَفَرَّقُوا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: أَشْهِدْ مَنْ لَقِيتَ أَبُو
الْحَسَنِ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا شَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ وَشَاهِدَانِ عَلَى
الْوَلِيِّ وَشَاهِدَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي
التَّبْصِرَةِ عَنْ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَفِي الْبِكْرِ ذَاتِ الْأَبِ بِأَرْبَعَةٍ
شَاهِدَانِ عَلَى الْمُنْكِحِ وَشَاهِدَانِ عَلَى النَّاكِحِ، وَأَمَّا إنْ
أَشْهَدَ كُلٌّ مِنْهُمْ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ صَاحِبُهُ مَرَّةً
بَعْدَ مَرَّةٍ فَلَيْسَتْ بِأَفْذَاذٍ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِكْرَ
بِلَا وَلِيٍّ مُجْبِرٍ مِثْلُ الثَّيِّبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ
الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ: شَهَادَةُ الْأَفْذَاذِ لَا تَعْمَلُ شَيْئًا إذَا
أَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ نَصِّ مَا شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ
كَانَ مَعْنَى شَهَادَتِهِمْ وَاحِدًا حَتَّى يَتَّفِقَ شَاهِدَانِ عَلَى نَصٍّ
وَاحِدٍ انْتَهَى وَسَمَّاهَا ابْنُ فَرْحُونٍ شَهَادَةَ الْأَبْدَادِ قَالَ:
قَالَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ فِي غَرِيبِ الْمُدَوَّنَةِ: الْأَبْدَادُ
بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَهُمْ الْمُتَفَرِّقُونَ وَاحِدُهُمْ بُدٌّ مِنْ
التَّبَدُّدِ لِتَفَرُّقِ الشُّهُودِ انْتَهَى كَلَامُهُ.

وفي كتاب: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني
لمؤلفه: أحمد بن غانم (أو غنيم)
بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: 1126هـ): ج2\4:
(وَ) لَا نِكَاحَ إلَّا
بِشَهَادَةِ (شَاهِدَيْ عَدْلٍ) وَيُسْتَحَبُّ إشْهَادُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ
(فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ
الْأَلِفُ ضَمِيرُ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ (فِي) حَضْرَةِ (الْعَقْدِ فَلَا
يَبْنِ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَلِيَ (بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ) أَيْ
الزَّوْجُ وَهَذِهِ النُّسْخَةُ مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِهِ فَلَا يَبْنِ، وَنُسْخَةُ
يُشْهِدَا بِأَلِفِ الِاثْنَيْنِ مُنَاسِبَةٌ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا
بِضَمِيرِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ، فَإِنْ وَجَدَا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ بَعْدَ
الْعَقْدِ وَأَشْهَدَاهُمَا عَلَى وُقُوعِ الْعَقْدِ كَفَى فِي الْوُجُوبِ،
وَكَذَا إنْ لَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ شَاهِدَيْنِ وَأَشْهَدَهُمَا،
بِخِلَافِ لَوْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ ثُمَّ لَقِيَهُمَا الْآخَرُ
وَحْدَهُ وَأَشْهَدَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ
أَرْبَعَةٍ عِنْدَ التَّفَرُّقِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبِكْرِ، وَأَمَّا لَوْ
عَقَدَ عَلَى ثَيِّبٍ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ وَأَشْهَدَا مُتَفَرِّقَيْنِ فَلَا
بُدَّ مِنْ سِتَّةٍ شَاهِدَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ وَشَاهِدَيْنِ عَلَى الْوَلِيِّ
وَشَاهِدَيْنِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى شَهَادَةُ الْإِبْدَادِ أَيْ
التَّفَرُّقِ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الْإِشْهَادِ
وَاجِبٌ، وَأَمَّا حُضُورُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ فَمُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ
الدُّخُولِ فَوَاجِبٌ.

وجاء في كتاب: منح الجليل شرح مختصر خليل
لمؤلفه: محمد بن أحمد بن محمد
عليش، أبو عبد الله المالكي (المتوفى: 1299هـ): ج3\259:
عِيَاضٌ الْأَبْدَادُ
الْمُفْتَرِقُونَ بِأَنْ لَا يَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى إشْهَادِ الْوَلِيِّ
وَالْمُتَنَاكِحِينَ بِأَنْ عَقَدُوا النِّكَاحَ وَتَفَرَّقُوا وَقَالَ كُلُّ
وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ أَشْهِدْ مَنْ لَقِيت بِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ فِي
الْمُخْتَصَرِ
فَيَكُونُ عَلَى هَذَا
شَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ، وَشَاهِدَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَشَاهِدَانِ عَلَى
الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ فِي حُكْمِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا
ذَاتَ أَبٍ كَانُوا أَرْبَعَةً، وَإِنْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ ثُمَّ
لَقِيَهُمَا الْآخَرُ فَأَشْهَدَهُمَا أَيْضًا فَلَيْسَتْ شَهَادَةَ أَبْدَادٍ.
عِيَاضٌ وَهَذَا عَلَى أَصْلِنَا وَمَشْهُورُ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْإِشْهَادَ
لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ اهـ.
قَوْلُهُ فَلَيْسَتْ شَهَادَةَ
أَبْدَادٍ أَيْ لَا تُسَمَّى بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ التَّبَدُّدِ أَيْ
التَّفَرُّقِ وَلَا تَفَرُّقَ هُنَا أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ كَمَا فَهِمَهُ عج
قَائِلًا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ التَّبْصِرَةِ،
وَنَصُّهَا لِابْنِ فَرْحُونٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الزِّنَا لَا بُدَّ فِيهِ
مِنْ أَرْبَعَةٍ وَيُلْحَقُ بِهَذَا اللِّعَانُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ أَقَلَّ
شُهُودِهِ أَرْبَعَةٌ وَشَهَادَةُ الْأَبْدَادِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ
شَاهِدَانِ عَلَى الْأَبِ وَشَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ أَشْهَدَ
أَحَدُهُمَا الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشْهَدَهُمَا الْآخَرُ فَلَا تُسَمَّى
شَهَادَةَ أَبْدَادٍ. اهـ. أَيْ مَعَ قَبُولِهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا
تُقْبَلُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا كَمَا فَهِمَهُ عج.

وفي كتاب: الفقه على المذاهب الأربعة
لمؤلفه: عبد الرحمن بن محمد عوض
الجزيري (المتوفى: 1360هـ): ج4\26
المالكية قالوا: ....... وإذا
عقد الولي من غير شهود ثم تفرقا فلقي الولي شاهدين فقال لهما: أشهدكما بأنني زوجت
فلاناً لفلانة ولقي الزوج شاهدين غيرهما فقال لهما: أشهدكما بأنني تزوجت فلانة
فإنه يصح، ويقال لهذه الشهادة: شهادة الأبداد - أي المتفرقين - وهي تكفي في النكاح
والعتق، فيكون على الزوج شاهدان وعلى الولي شاهدان.
وينبغي أن يكون شاهدا الولي غير
شاهدي الزوج فإن كان شاهدا أحدهما عين شاهدي الآخر فلا تكون الشهادة شهادة أبداد
ولكن يكفي ذلك في العقد إذ لا يلزم فيه أن يكون الشهود أربعة.
ثم إذا دخل عليها بدون شهادة
اثنين واعترف بأنه وطئها أو قامت بينة بأنه وطئها كان عليهما حد الزنا ما لم يشتهر
الدخول بها - كزوجة له - بوليمة أو دف أو ايقاد نار أو نحو ذلك مما يعمل عادة عند
الدخول بالأزواج، وكذا إذا كان على الدخول أو العقد شاهد واحد.

وفي كتاب: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام
لمؤلفه: إبراهيم بن علي بن
محمد، ابن فرحون، برهان الدين اليعمري (المتوفى: 799هـ): ج1\459
[الْبَابُ السَّابِعُ
وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَبْدَادِ]
وَالشَّهَادَاتِ الَّتِي
يُصَحِّحُ بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ فِي غَرِيبِ
الْمُدَوَّنَةِ، الْأَبْدَادُ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وَهُمْ
الْمُتَفَرِّقُونَ، وَاحِدُهُمْ: بُدٌّ مِثْلُ: مُدٍّ مِنْ الْبَيْدِ، هُوَ
مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَّدَ اللَّهُ شَمْلَ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ
شَهِدُوا فِي ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاحِدٌ هَا هُنَا، وَآخَرُ فِي مَوْضِعٍ
آخَرَ، وَوَاحِدٌ الْيَوْمَ، وَوَاحِدٌ غَدًا، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى، وَوَاحِدٌ
عَلَى مَعْنًى آخَرَ. فَرْعٌ: وَفِي التَّهْذِيبِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ:
يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ فِي النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ:
وَهِيَ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى إشْهَادِ الْوَلِيِّ
وَالنَّاكِحَيْنِ، بَلْ إنَّمَا عَقَدُوا وَتَفَرَّقُوا، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ:
أَشْهِدْ مَنْ لَقِيت، هَكَذَا فَسَّرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَهَذَا هُوَ
الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ
الْعَقْدِ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ،
أَنَّهُ شَرْطٌ قَالَ أَبُو إبْرَاهِيم فِي الطُّرَرِ عَلَى التَّهْذِيبِ
فَتَتِمُّ بِسِتَّةٍ شُهُودٍ: اثْنَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَاثْنَانِ عَلَى
الزَّوْجِ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا.
وَفِي الْبِكْرِ ذَاتِ الْأَبِ
بِأَرْبَعَةٍ شَاهِدَانِ عَلَى النَّاكِحِ، وَشَاهِدَانِ عَلَى الْمُنْكَحِ،
وَأَمَّا إنْ أَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ
صَاحِبُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَيْسَتْ بِأَبْدَادٍ.
v وبفقد أحد الشروط المعتبرة شرعا لصحة عقد
النكاح يعتبر النكاح فاسدا أو باطلاً، وكما قرره فقهاؤنا - رحمهم الله -
فلا يعتد بتغير الزمان، والمكان؛ لأن هذه القواعد ثابتة لا يغيرها زمان ولا مكان.
فالنكاح الفاسد
والباطل يفترقان في إثبات النسب ، حيث إن الفاسد يثبت فيه النسب في معظم صوره ، و
الباطل لا يثبت فيه النسب . فالنكاح الفاسد هو ما فقد شرطا من شروط الصحة كالزواج
بغير شهود وجمع خمس في العقد والجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها..
و الفقهاء وإن كانون لم يفرقوا بين الفاسد والباطل في كثير
من أبواب الفقه إلا أنهم في هذه المسألة جعلوا للفاسد حكما يختلف فيه عن النكاح
الباطل من حيث إلحاق النسب بالأول ، وعدم إلحاقه بالثاني ، بناء على أن الفاسد من
العقود مشروع بأصله لا بوصفه, ومن هنا
أخذوا بالاحتياط في النسب فأثبتوه به ، لأن النسب عندهم يلحق بأدنى سبب ولو كان
الزواج فاسدا, وأن الباطل غير مشروع لا بأصله ولا
بوصفه ، فلم يجدوا منفذا لإلحاق النسب به ، وأن هذا لا يخالف ما درج عليه الفقهاء
من الاحتياط في الأنساب وإلحاقها بمن ادعاها ولو بأدنى سبب ، لأن هذا الأدنى غير
متوفر في حالة بطلان العقد .
و نصوا كذلك على أن النكاح الفاسد المختلف فيه بعد الدخول تترتب عليه آثار النكاح
الصحيح، والنكاح بدون ولي ولا شهود مختلف فيه، كما نقل ذلك صاحب نهاية المحتاج من
الشافعية، عن داود الظاهري فقال شارحاً لكلام النووي : وكذا كل جهة أباح بها عالم
يعتد بخلافه لشبهة إباحته، وإن لم يقلده الفاعل، كنكاح بلا شهود على الصحيح، كمذهب
مالك على ما اشتهر عنه، لكن المعروف عن مذهبه اعتبارها في صحة الدخول حيث لم يقع
وقت العقد، أو بلا ولي كمذهب أبي حنيفة، أو بلا ولي وشهود كما نقل عن داود . انتهى
وقال ابن
قدامة في المغني: ولا يجب الحد
بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل والنكاح بلا ولي وشهود.(ج:9
\ص:57).
وقال صاحب
كشاف القناع: ما معناه: أن من تزوج بلا ولي
ولا شهود فإن وطأه بذلك وطء شبهة يلحق به الولد ويتوارث معه، ولكن يستحقان العقوبة
على مثل هذا العقد.
وفي بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني:
:( فصل )
وأما
النكاح الفاسد ، فلا حكم له قبل الدخول ، وأما بعد الدخول ، فيتعلق به أحكام منها
ثبوت النسب ومنها وجوب العدة ، وهو حكم الدخول في الحقيقة ومنها وجوب المهر.
(ج:2
\ص:335).
وقال شيخ الإسلام:
ممثلاً للأنكحة المختلف فيها: كمن وطئ في نكاح المتعة أو نكاح المرأة نفسها بلا
ولي ولا شهود، فإن هذا إذا وطئ فيه يعتقده نكاحاً لحقه فيه النسب. (ج:34\ص:15).
وقال رحمه الله في موضع آخر: فإن المسلمين متفقون على أن كل نكاح اعتقد الزوج أنه
نكاح سائغ إذا وطئ فيه فإنه يلحقه ولده ويتوارثان بإتفاق المسلمين؛ وإن كان ذلك
النكاح باطلاً في نفس الأمر بإتفاق المسلمين. (ج:34\ص:13).
وعليه، فيثبت بهذا النكاح النسب والعدة بالخلوة أو بالموت، كما يثبت به الميراث
إذا حصل الموت قبل الفسخ.
قال المواق في التاج والإكليل:
وتقع فيه الموارثة قبل الفسخ. (ج:5\ص:90).
يعني النكاح المختلف فيه، ما لم يكن هناك مانع من الإرث كاختلاف الدين..
جاء في البحر الرائق : إن النسب كما يثبت بالنكاح
الصحيح يثبت بالنكاح الفاسد وبالوطء عن شبهة وبملك اليمين .
و في المبدع في شرح المقنع لأبي إسحاق
برهان الدين بن محمد بن عبد الله الحنبلي: ويلحق النسب
في النكاح الفاسد كالصحيح وقيل إن اعتقد فساده فلا ..... فَرْعٌ:
إِذَا تَحَمَّلَتْ مَاءَ زَوْجِهَا لَحِقَهُ نَسَبُ مَنْ وَلَدَتْهُ مِنْهُ، وَفِي
الْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ وَجْهَانِ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا، أَوْ مَاءَ مَنْ
ظَنَّتْهُ زَوْجَهَا، فَلَا نَسَبَ، وَلَا مَهْرَ، وَلَا عِدَّةَ فِي الْأَصَحِّ
فِيهَا.
(وَإِنْ لَمْ يمَكُنْ
كَوْنُهُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ
مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا)
لَمْ يَلْحَقْهُ ; لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ قَبْلَ النِّكَاحِ.(ج:7\ص:64).
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: اتَّفَقَ
الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ بِالْوَطْءِ فِي
النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، كَالنِّكَاحِ بِدُونِ
شُهُودٍ، أَوْ بِدُونِ وَلِيٍّ، وَكَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، وَنِكَاحِ
الشِّغَارِ. وَيَزِيدُ الْحَنَابِلَةُ ثُبُوتَهُمَا بِالْخَلْوَةِ؛ لأِنَّهُ
يَنْفُذُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَشْبَهَ الصَّحِيحَ.
وَيَتَّفِقُونَ كَذَلِكَ عَلَى
وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى
فَسَادِهِ بِالْوَطْءِ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، وَزَوْجَةِ الْغَيْرِ وَالْمَحَارِمِ
إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْحَدَّ، بِأَنْ كَانَ لاَ يَعْلَمُ
بِالْحُرْمَةِ, وَلأِنَّ الأْصْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
أَنَّ كُل نِكَاحٍ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ فَالْوَلَدُ لاَحِقٌ بِالْوَاطِئِ..
انتهى.(ج:8\ص:124).
وإن
أراد الزوج السابق تجديد العقد عليها في عدتها من نكاحه الفاسد جاز له ذلك عند
أكثر أهل العلم، قال شيخ الإسلام
ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: ويجوز أن
يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في
المشهور عنه, والله أعلم. (ج:32\ص:19).
وجاء في الموسوعة الفقهية
: اتفق الفقهاء على أن النسب يثبت في النكاح الفاسد إذا اتصل به دخول حقيقي ، لأن
النسب يُحتاطُ في إثباته إحياءً للولد.
ــــــــــــ بدء اعتبار مدة النسب في
النكاح الفاسد : نص أبو حنيفة وأبو يوسف على أن
مدة النسب تعتبر من وقت النكاح كما في النكاح الصحيح ، لأن حكم النكاح الفاسد يؤخذ
من الصحيح .
وذهب محمد بن الحسن إلى أنها تعتبر من وقت الدخول وعليه الفتوى ، لأن النكاح
الفاسدَ ليس بداع إليه, والإقامةُ باعتباره ، أي إقامةُ النكاح مقام الوطء باعتبار
أن النكاح داع إلى الوطء ، والنكاح الفاسد ليس بداع إليه فلا يُقام مَقامَه انتهى.
(ج:40\ص:236).
وعلى
نحو ما ذكرناه آنفاً فإن النسب لا يثبت
إلا في الحالات التي ذكرناها آنفاً و هي الزواج
الصحيح أو الفاسد أو الوطء بشبهة
و فيما عدا ذلك فلا يثبت نسب, وحددت الشريعة
الإسلامية طرق إنكار النسب .
والنكاح
إذا اختل شرط من شروطه يكون غير صحيح ومنه الواقع على غير ولي ، فإن كان بحيث لا
يختلف فيه كأن يتزوج خامسة أو معتدة فإن دخل فيه فهو زنا -إن أقدم على ذلك وهو
عالم بحرمته - وبالتالي يجب عليه الحد.
وأما إذا كان مختلفا فيه كالنكاح بلا ولي ووقع فيه الدخول فإنه لا يوجب حدا عند
جمهور الفقهاء, وذهب الإصطخري وغيره أنه يوجب حدا وهو ضعيف كما صرح به النووي في
روضة الطالبين(7/51).
وقال ابن قدامة المقدسي
:"... ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل
والنكاح بلا ولي ولا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها البائن وكنكاح الخامسة في عدة
الرابعة ).
وإذا حصل الدخول في النكاح المختلف فيه ومنه النكاح بلا ولي فإنه يجب المهر بنص
الحديث ( ..فلها المهر بما استحل من فرجها) ولم يختلف الفقهاء في ذلك ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة
(4/188) .: "يجب المهر في النكاح الفاسد بالسنة والاتفاق " انتهى من
كتابه :منهاج السنة (4/188) . وأما قبل الدخول فلا مهر .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : "....
فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ اعْتَقَدَ
الزَّوْجُ أَنَّهُ نِكَاحٌ سَائِغٌ إذَا وَطِئَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ فِيهِ
وَلَدُهُ وَيَتَوَارَثَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ
النِّكَاحُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاءٌ
كَانَ النَّاكِحُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا. وَالْيَهُودِيُّ إذَا تَزَوَّجَ بِنْتَ
أَخِيهِ كَانَ وَلَدُهُ مِنْهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ وَيَرِثُهُ بِاتِّفَاقِ
الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ النِّكَاحُ بَاطِلًا بِاتِّفَاقِ
الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ اسْتَحَلَّهُ كَانَ كَافِرًا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ.
وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الْجَاهِلُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا كَمَا
يَفْعَلُ جُهَّالُ الْأَعْرَابِ وَوَطِئَهَا يَعْتَقِدُهَا زَوْجَةً كَانَ
وَلَدُهُ مِنْهَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ وَيَرِثُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
فَإِنَّ " ثُبُوتَ
النَّسَبِ " لَا يَفْتَقِرُ إلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛
بَلْ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَوَطِئَهَا
يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ: إمَّا لِجَهْلِهِ, وَإِمَّا
لِفَتْوَى مُفْتٍ مُخْطِئٍ قَلَّدَهُ الزَّوْجُ. وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ
يَلْحَقُهُ النَّسَبُ، وَيَتَوَارَثَانِ بِالِاتِّفَاقِ؛
بَلْ وَلَا تُحْسَبُ الْعِدَّةُ إلَّا مِنْ حِينِ تَرَكَ وَطْأَهَا؛
فَإِنَّهُ كَانَ يَطَؤُهَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَهِيَ فِرَاشٌ لَهُ
فَلَا تَعْتَدُّ مِنْهُ حَتَّى تَتْرُكَ الْفِرَاشَ.
وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً "
نِكَاحًا فَاسِدًا، مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ
أَوْ مَلَكَهَا مِلْكًا مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِي
فَسَادِهِ، أَوْ وَطِئَهَا يَعْتَقِدُهَا زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، أَوْ أَمَتَهُ
الْمَمْلُوكَةَ: فَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَيَتَوَارَثَانِ
بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْوَلَدُ أَيْضًا يَكُونُ حُرًّا؛ وَإِنْ كَانَ
الْمَوْطُوءَةُ مَمْلُوكَةً لِلْغَيْرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَوُطِئَتْ بِدُونِ
إذْنِ سَيِّدِهَا؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَاطِئُ مَغْرُورًا بِهَا زُوِّجَ بِهَا
وَقِيلَ: هِيَ حُرَّةٌ، أَوْ بِيعَتْ فَاشْتَرَاهَا يَعْتَقِدُهَا مِلْكًا
لِلْبَائِعِ؛ فَإِنَّمَا وَطِئَ مَنْ يَعْتَقِدُهَا زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، أَوْ
أَمَتَهُ الْمَمْلُوكَةَ: فَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ؛ لِاعْتِقَادِهِ. وَإِنْ كَانَ
اعْتِقَادُهُ مُخْطِئًا، وَبِهَذَا قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَاتَّفَقَ
عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ.فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَطِئُوا وَجَاءَهُمْ
أَوْلَادٌ لَوْ كَانُوا قَدْ وَطِئُوا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ مُتَّفَقٍ عَلَى
فَسَادِهِ، وَكَانَ الطَّلَاقُ وَقَعَ بِهِمْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ
وَطِئُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ؛ لِإِفْتَاءِ مَنْ أَفْتَاهُمْ،
أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ: كَانَ نَسَبُ الْأَوْلَادِ بِهِمْ لَاحِقًا، وَلَمْ
يَكُونُوا أَوْلَادَ زِنًا؛ بَلْ يَتَوَارَثُونَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
هَذَا فِي الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ فَكَيْفَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِي فَسَادِهِ؟
وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الَّذِي وَطِئَ بِهِ قَوْلًا ضَعِيفًا: كَمَنْ وَطِئَ فِي
نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَوْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا
شُهُودٍ؛ فَإِنَّ هَذَا إذَا وَطِئَ فِيهِ يَعْتَقِدُهُ نِكَاحًا لَحِقَهُ فِيهِ
النَّسَبُ، فَكَيْفَ بِنِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ حُجَّةُ
الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، وَظَهَرَ ضَعْفُ الْقَوْلِ
الَّذِي يُنَاقِضُهُ، وَعَجَزَ أَهْلُهُ عَنْ نُصْرَتِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ
التَّامِّ؛ لِانْتِفَاءِ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؟ ، فَمَنْ قَالَ إنَّ هَذَا
النِّكَاحَ أَوْ مِثْلَهُ يَكُونُ الْوَلَدُ فِيهِ وَلَدَ زِنًا لَا يَلْحَقُهُ
نَسَبُهُ وَلَا يَتَوَارَثُ هُوَ وَأَبُوهُ الْوَاطِئُ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ
لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. مُنْسَلِخٌ مِنْ رِبْقَةِ الدِّينِ ، فَإِنْ كَانَ
جَاهِلًا عُرِّفَ وَبُيِّنَ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاءَهُ الرَّاشِدِينَ وَسَائِرَ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَلْحَقُوا
أَوْلَادَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بِآبَائِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً
بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ أَنْ يَكُونَ
النِّكَاحُ جَائِزًا فِي شَرْعِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ
مَنْ أَصَرَّ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ
الْهُدَى وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ
تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. (الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج:34 – ص: 13.....15).
وجاء في المغني لابن قدامة:
[فَصْلٌ نَكَحَ امْرَأَةً
نِكَاحًا فَاسِدًا ثُمَّ قَذَفَهَا وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ]
(6241) فَصْلٌ: وَإِذَا نَكَحَ
امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا، ثُمَّ قَذَفَهَا، وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ
نَفْيَهُ، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، حُدَّ وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا. وَبِهَذَا قَالَ
الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَلَيْسَ لَهُ
نَفْيُهُ، وَلَا اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ
الْأَجْنَبِيَّاتِ، أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ. وَلَنَا، أَنَّ
هَذَا وَلَدٌ يَلْحَقُهُ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ،
كَمَا لَوْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، وَيُفَارِقُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ،
فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الْقَذْفِ؛ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، وَيُفَارِقُ
سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدُهُنَّ، فَلَا حَاجَةَ
بِهِ إلَى قَذْفِهِنَّ، وَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ. فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى
قَذْفِهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، لِكَوْنِهَا خَانَتْهُ وَغَاظَتْهُ وَأَفْسَدَتْ
فِرَاشَهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَالْحَاجَةُ مَوْجُودَةٌ
فِيهِمَا، وَإِذَا لَاعَنَ سَقَطَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ مَشْرُوعٌ لِنَفْيِ
الْحَدِّ، فَأَسْقَطَ الْحَدَّ، كَاللِّعَانِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ. وَهَلْ يُثْبِتُ
التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُثْبِتُهُ؛ لِأَنَّهُ
لِعَانٌ صَحِيحٌ، أَشْبَهَ لِعَانَ الزَّوْجَةِ. وَالثَّانِي، لَا يُثْبِتُهُ؛
لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ
بِهِ، فَإِنَّهُ لَا نِكَاحَ
بَيْنَهُمَا يَحْصُلُ قَطْعُهُ بِهِ، بِخِلَافِ لِعَانِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّ
الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِهِ. وَلَوْ لَاعَنَهَا مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ، لَمْ يَسْقُطْ
الْحَدُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ فَاسِدٌ،
فَلَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ.
وَسَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ
النِّكَاحَ صَحِيحٌ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي نَفْسِهِ
لَيْسَ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَاعَنَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا
زَوْجَتَهُ.(ج:8\ص:55).

[فَصْل أَبَانَ زَوْجَتَهُ
ثُمَّ قَذَفَهَا بزنا أضافه إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ]
(6242) فَصْلٌ: فَلَوْ أَبَانَ
زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا أَضَافَهُ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَهِيَ
كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا؛ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ،
فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ، وَإِلَّا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ. وَبِهَذَا
قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحَدُّ، وَيَلْحَقُهُ
الْوَلَدُ، وَلَا يُلَاعِنُ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا
تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ،
وَالْحَسَنِ، أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ
الزَّوْجِيَّةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ
بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَبِهِ حَاجَةٌ إلَى الْقَذْفِ، فَشُرِعَ، كَمَا لَوْ
قَذَفَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، فَلَا حَاجَةَ
بِهِ إلَيْهِ، وَقَدْ قَذَفَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ
يُضِفْهُ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ. وَمَتَى لَاعَنَهَا لِنَفْيِ وَلَدِهَا
انْتَفَى، وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ. وَفِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ
وَجْهَانِ. وَهَلْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَهَا قَبْلَ وَضْعِ الْوَلَدِ؟ فِيهِ
وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ لِعَانُهَا بَعْدَ
الْوَضْعِ، كَانَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَهُ، كَالزَّوْجَةِ. وَالثَّانِي، لَيْسَ
لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عِنْدَهُ لَا
يَنْتَفِي فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ هَاهُنَا
لِأَجْلِ الْوَلَدِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِهِ
بِوَضْعِهِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِعَانِهَا مَعَ عَدَمِ
الْوَلَدِ. وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. (ج:8\ص:55).
وفي كتاب: الشرح الكبير على متن المقنع
لمؤلفه: عبد الرحمن بن محمد بن
أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، أبو الفرج، شمس الدين (المتوفى: 682هـ)
قال: فأما إن قال أنت طالق
ثلاثا يا زانية, فإن كان بينهما ولد فإنه يلاعن لنفيه وإلا حد ولم يلاعن لأنه يتبين
إضافة القذف إلى حال الزوجية لاستحالة الزنا منها بعد طلاقه لها فصار كأنه قال لها
بعد إبانها زنيت إذ كنت زوجتي على ما نذكره (مسألة) (وإن أبان زوجته ثم قذفها بزنا
إضافة إلى حال الزوجية فإن كان بينهما ولد يريد نفيه فله أن ينفيه باللعان وإلا حد
ولم يلاعن) وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يحد ويلحقه الولد ولا يلاعن
وهو قول عطاء لأنها أجنبية فأشبهت سائر الأجنبيات أو إذا لم يكن بينهما ولد ولنا
أن هذا ولد يحلقه نسبه بحكم عقد النكاح فكان له نفيه كما لو كان النكاح باقياً،
ويفارق إذا لم يكن ولد فإنه لا حاجة إلى القذف لكونها أجنبية وتفارق سائر
الأجنبيات فإنه لا يلحقه ولدهن فلا حاجة به إلى قذفهن، وقال عثمان البتي في هذه
المسألة له أن يلاعن وإن لم يكن بينهما ولد وروي عن ابن عباس والحسن لأنه قذف مضاف
إلى حال الزوجية أشبه ما لو كانت زوجته ولنا أنه إذا كان بينهما ولد فيه حاجة إلى
القذف نشرع كما لو قذفها وهي زوجته وإذا لم يكن له ولد فلا حاجة به إليه وقد قذفها
وهي أجنبية فأشبه ما لو لم يضفه إلى حال الزوجية، ومتى لاعنها لنفي ولدها انتفى
وسقط عنه الحد، وفي ثبوت التحريم المؤبد وجهان، وهل له أن يلاعنها قبل وضع الولد؟
فيه وجهان (أحدها) له ذلك لأن من كان له لعانها بعد الوضع كان له لعانها قبله
كالزوجة (والثاني) ليس له ذلك وهو ظاهر قول الخرقي، لأن الولد عنده لا ينتفي في
حال الحمل، ولأن اللعان ههنا إنما يثبت لأجل الولد فلم يجز أن يلاعن إلا بعد تحققه
بوضعه، بخلاف الزوجة فإنه يجوز لعانها مع عدم الولد وهكذا الحكم في نفي الحمر في
النكاح الفاسد (مسألة) (وإن قذفها في نكاح فاسد فهي كالمسألة التي قبلها إن كان
بينهما ولد فله لعانها ونفيه وإن لم يكن بينهما ولد حد ولا لعان بينهما) بهذا قال
الشافعي وقال أبو حنيفة يلحقه الولد وليس له نفيه ولا اللعان لأنها أجنبية أشبهت
سائر الأجنبيات أو إذا لم يكن بينهما ولد ولنا أن هذا ولد يلحقه بحكم عقد النكاح
فكان له نفيه كالنكاح الصحيح.(ج:9\ص:19,18).
v
أما أنواع الإكراه وأحكامه وشروطه:

فللإكراه
أنواع متعددة باعتبارات مختلفة ؛ فيكون في الأفعال ، ويكون في الأقوال، والإكراه في الأفعال نوعان
ملجئ وغير ملجئ.
فأما الملجئ وهو الكامل، فلا يكون للفاعل
إرادة البتة كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلاً فقهره من هو أقوى منه وكبَّله وحمله حتى أدخله فيها،
فهذا غير مكلف إجماعًا ولا إثم عليه؛ ولا يحنث عند الجمهور.( 32).
وأما غير
الملجئ وهو الناقص فهو
كمن أكره بضرب وهذا المكره يستطيع الفعل والترك فهو مختار للفعل، ولكن ليس غرضه نفس الفعل وإنما مراده دفع
الضرر عن نفسه. وليس هذا مرادنا فارجع فيه لمظانه.( 33).
وأما الإكراه
في الأقوال:
فقد اتفق
العلماء على صحته وأن من
أكره على قول محرم إكراهاً معتبرًا أن له أن يفتدي نفسه، ولا إثم عليه، والإكراه متصور في سائر الأقوال فمتى
أكره على قول من الأقوال لم يترتب عليه حكم من الأحكام وكان لغوًا .( 34)؛.
وذهب الأحناف
إلى التفريق بين
ما يحتمل الفسخ كالبيع والإجارة فيفسخ، وما لا يحتمل الفسخ كالطلاق والعتاق والنكاح فهو لازم، فمن أكره
على البيع ففعل فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه ورجع بالمبيع، بخلاف ما لا يحتمل الفسخ (35)وعدم التفريق أنسب وأليق بأصول الشريعة وأدلتها، قال تعالى: "إلا من
أكره وقلبه مطمئن بالإيمان".
قال الشافعي(36) في تقرير الاستدلال بهذه الآية: "أن الله سبحانه وتعالى لما وضع الكفر عمن
تلفظ به حال الإكراه أسقط عنه أحكام الكفر، كذلك سقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن
الأعظم إذا سقط، ما هو دونه من باب أولى".
وعن ابن عباس
رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله وضع
عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (37).
قال ابن
القيم: (... وعلى هذا
فكلام المكره كله لغو لا عبرة به، وقد دل القرآن على أن من أكره على التكلم بكلمة الكفر على أن الله
سبحانه تجاوز عن المكره فلم يؤاخذه بما أكره عليه وهذا يراد به كلامه قطعًا وأما أفعاله ففيها تفصيل ...
إلى أن قال ... الفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه، أن الأفعال إذا وقعت لم
ترتفع مفسدتها، بل مفسدتها معها بخلاف الأقوال، فإنها يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة
أقوال النائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة بخلاف مفسدة
القول، فإنها تثبت إذا كان قائله عالما به مختارًا له)(38).
إذا تقرر هذا
فاعلم أن الإكراه يكون
بحق وبغير حق، فأما الإكراه بغير حق -اعتداءً وتسلطًا- فهو ما سبق فيه البحث، وأما ما كان بحق فنحو إكراه
الحاكم لشخص ببيع مالِه ليوفي دينه، أو إكراهه موليًا على الطلاق إن أبى الفيئة. فهذا الإكراه غير مانع
من لزوم ما أكره عليه.(39).
مسألة شروط
الإكراه :
ذكر أهل
العلم شروطًا للإكراه منها:
1_ أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب.
2ـــــــ أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به، والعجز عن دفعه أو الهرب منه.
3ـــــــ أن يكون مما يلحق الضرر به.(40).
وهذه الشروط
اتفق على اعتبارها
المالكية، والشافعية، والحنابلة، وزاد بعضهم شروطًا أخرى، والذي يظهر أن تحديد الإكراه عائد لما يراه الحاكم،
والمفتي، فما رأى أنه إكراه أبطله لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس(41).
طلاق المكره:
والمراد
الإكراه على الطلاق بغير
حق، هل هو واقع أم لا؟
فذهب مالك
والشافعي وأحمد وداود الظاهري إلى أن طلاقه غير واقع، وقال بهذا القول عمر بن الخطاب وعلي
بن أبي طالب وابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس، وجماعة كثيرون.
وذهـب أبـــو
حــنيفة وصاحباه، إلى إيقاع هذا الطلاق، وقال به الشعبي والنخعي والثــوري(42).
وسبب خلافهم
هو هل المكره
مختارٌ أم لا؟ فإن المطلق غير مريدٍ لإيقاع الطلاق، وهو في الوقت ذاته قد اختار أهون الشرين من الطلاق، أو حصول
ما أكره به(43).
استدل الأحناف ومن وافقهم لمذهبهم بما يلي:
1ــــ
ما روي أن رجلاً كان نائمًا فقامت امرأته فأخذت سكينًا فجلست على
صدره فوضعت السكين على حلقه فقالت لَتطلقَنِّي ثلاثًا أو لأذبَحنَّكَ فناشدها اللهَ
فأبت، فطلقها ثلاثًا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: ((لا قيلولة في
الطلاق))(44)..
2ـ ـــ حديث أبي
هريرة مرفوعًا: ((ثلاثٌ جدهن جد، وهزلهن جد:
النكاح والطلاق والرجعة)) (45).
ووجه الاستدلال:
أن
الهازل لم يقصد إيقاع الطلاق، وإنما قصد اللفظ فقط، وقد أوقع طلاقه فدل على أن الطلاق يعتبر
فيه مجرد التلفظ به، فيقاس المكره على الهازل لأنهما قصدا النطق ولم يردا المعنى.(46).
3 ــــــــ ما
روي عن عمر مرفوعًا: أربع مبهمات مقفولات ليس فيهن
رد: النكاح، والطلاق، والعتاق، الصدقة).(47).
4 ـــــــــ حديث حذيفة وأبيه حين حلفهما المشركون فقال
لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)) .(48).
وجه الاستدلال: أن اليمين حال الطواعية وحال الإكراه
سواء، فعلم أنه لا تأثير للإكراه في نفي الحكم المتعلق
بمجرد اللفظ كالطلاق(49).
5 ــــــــ استدلوا
بأنه طلاق من مكلف في محل يملكه فينفذ كطلاق غير
المكره.(50).
المناقشة:
1 ــــ أما حديث ((لا
قيلولة في الطلاق)) فضعيف كما ذكرت في تخريجه. قال عنه ابن حزم: (هذا
خبر في غاية السقوط (51) فيسقط الاستدلال به.
2 ــــــــ وأما
استدلالهم بحديث: ((ثلاث جدهن جد ...)) الحديث. وقياسهم المكره على الهازل، فهو
قياس فاسد، فإن المكره غير قاصد للقول ولا لموجبه، وإنما حمل عليه وأكره على التكلم
به ولم يكره على القصد، وأما الهازل فإنه تكلم باللفظ اختيارًا وقصد به غير موجبه
وهذا ليس إليه بل إلى الشارع، فإن من باشر سبب ذلك باختياره لزمه مسببه ومقتضاه
وإن لم يرده، وأما المكره فإنه لم يرد هذا ولا هذا فقياسه على الهازل غير صحيح.(52).
3 ــــــــ وأما
أثر عمر فإنا لم نعلم سنده، ولم نقف على مخرجه حتى نعلم ثبوته وعلى اعتبار صحته
فإنه محمول على أن من أوقع الطلاق لا يمكنه أن يعود فيه، أما المكره فإنه لم يوقع
الطلاق وإنما تلفظ به تخلصًا من مكرهه. ثم إن الصحيح عن عمر رضي الله عنه إلغاء
طلاق المكره.(53) وأما ما روي أن امرأة استلت
سيفًا فوضعته على بطن زوجها وقالت والله لأنفذنك أو لتطلقني فطلقها ثلاثًا فرفع
ذلك إلى عمر فأمضى طلاقها. فهذا ضعيف لا يثبت عنه رضي الله عنه.(54).
4 ـــــــــ وأما
خبر حذيفة وأبيه -رضي الله عنهما-، وقياس الطلاق
على اليمين باعتبارهما متعلقين بمجرد اللفظ فإن الجواب أن هذا القياس غير صحيح،
فليس الاعتبار في الطلاق خاصًا باللفظ بل لا بد معه من إرادة التكلم بالصيغة والعلم
بمدلولها، ألا ترى أن الشارع لم يمض طلاق النائم والناسي وزائل العقل
(55),وبهذا يظهر الفرق بينهما ولا قياس مع وجود الفارق.
5 ـــــــــ وأما
قولهم هو طلاق من مكلف في محل يملكه فينفذ كطلاق غير المكره، فنقول هذا الدليل
أشبه ما يكون بالمصادرة، فإنه إقرار لتكليف المكره، ثم إنّ قياسكم المكره على غيره
هو في غاية الغرابة يرده ما سنشير إليه من أدلة القول الثاني.
6 ـــــــ وأمَّا قولُهم: إنَّ المكرَه قد نَطق
بلفظٍ فيحاسَب عليه، فالردُّ عليهم أنَّ الله - تبارك وتعالى - لما وَضع الكُفْرَ
عمَّن تلفظ به حالَ الإكراه، وأسقطَ عنه أحكامَ الكفْرِ، كذلك أَسقط عن المكرَه ما
دُون الكفْرِ؛ لأنَّ سقوطَ الأعظمِ دالٌّ على سقوطِ ما هو دونه (56)بلْ مِنْ باب
أَولى.
واستدل الجمهور لقولهم بما يلي:
1 ــــ عن عائشة
رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)) .(57) ومن الإغلاق الإكراه؛ لأن المكره
مغلق عليه أمره وتصرفه.(58).
2 ـــــ حديث علي بن
أبي طالب رضي الله عنه موقوفًا: (كل طلاق
جائز إلاَّ طلاق المعتوه والمكره)(59).
3 ـــــــــ عن
عبد الله بن عـــباس -رضي الله عنهما-
موقوفًا: (ليـس لـمستكــره ولا لـمجنون طـلاق).(60).
4 ــــــــــ عن
ثابت بن الأحنف أنه تزوج أم ولد لعبد الرحمن
بن زيد بن الخطاب قال: فدعاني عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب فجئته
فدخلت عليه فإذا سياط موضوعة وإذا قيدان من حديد وعبدان له قد أجلسهما وقال لي:
تزوجت أم ولد أبي بغير رضاي، فأنا لا أزال أضربك حتى تموت، ثم قال: طلقها وإلا
فعلت، فقلت هي طالق ألفًا، فلما خرجت من عنده أتيت عبد الله بن عمر فأخبرته، فقال:
ليس هذا بطلاق، إرجع إلى أهلك، فأتيت عبد الله بن الزبير فقال مثل ذلك.(61).
5 ــــــــ ولأنه
قول حمل عليه بغير حق، فلم يثبت له حكم ككلمة الكفر
إذا أُكره عليها.(62).
هذا
وقد قدمنا الأدلة العامة التي استدل بها الجمهور على
إلغاء طلاق المكره فراجعها.
الترجيح:
يتبين
مما مضى أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من إلغاء طلاق المكره وعدم اعتباره
عملاً بنَصِّ كتابِ الله العزيز، وسُنة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم. وذلك
لأمور:
1 ـــــــــ قوة
أدلة الجمهور.
2 ــــــــ ضعف
أدلة الأحناف لما ورد عليها من مناقشة.
3 ـــــــــ أنه
الأليق بأصول الشريعة وقواعدها كما مر معنا. وفيه دفع لمفاسد عظيمة، وإليك ما قاله الشيخ
أحمد الدهلوي -رحمه الله-: (..ثانيهما: أنه لو اعتبر طلاقه –أي المكره– طلاقًا
لكان ذلك فتحًا لباب الإكراه فعسى أن يختطف الجبار الضعيف من حيث لا يعلم الناس
ويخيفه بالسيف ويكرهه على الطلاق إذا رغب في امرأته فلو خيبنا رجاءه وقلبنا عليه
مراده كان ذلك سببًا لترك مظالم الناس فيما بينهم بالإكراه..)(63). اهـ.
هــذا
وقد اختار هــذا القـول جمع من المحققين كابن
تيميـة وابن القيم والشوكاني وغيرهم
-رحمهم الله- .
والله الموفق
والهادي إلى سواء السبيل

الهوامش
(1)
ـــــــ: (مختصر
اختلاف العلماء 2/251.).
(2) ــــــــ:
(السنن الكبرى للبيهقي 7/111).
(3) ـــــــ:
.(الحاوي 9/57-58، المغني 9/347).
(4) ـــــــ:
( بداية المجتهد 2/17.).
(5) ـــــ:
(انظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب 2/93، القوانين الفقهية ص 200. واشتراط الإمام
مالك الشهادة عند الدخول، وذلك بإعلان النكاح ليخرج عن كونه نكاح سر، قال ابن
القاسم عن مالك: لو زوج ببينة وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح؛ لأنه سر، وإن
تزوج ببينة من غير استسرار جاز وأشهدا فيما يستقبلان. الذخيرة للقرافي 4/398،
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/79، شرح الزرقاني على موطأ مالك 3/188.
(6) ـــــ:
( الدارقطني في سننه 3/226 رقم (23)).
(7) ـــــ:
( رواه الطبراني في الكبير 11/155 رقم (11343) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
4/286: "وفي إسناده الربيع بن بدر وهو متروك".).
(8) ــــــ:
( رواه البيهقي في السنن الكبرى 6/125، والدارقطني 3/225 رقم (24)، قال الهيثمي في
مجمع الزوائد 4/286-287: "فيه عبد الله بن محرز وهو متروك".).
(9) ـــــ:
( رواه البيهقي في السنن الكبرى 7/125).
(10) ــــــ:
( رواه الدارقطني في سننه 3/224 رقم (19), وقال الزيلعي في نصب الراية 3/186:
"وهذا حديث منكر والأشبه أن يكون موضوعاً").
(11) ـــــــ:
.( رواه البيهقي في السنن الكبرى 7/125).
(12) ـــــ:
( رواه البيهقي في السنن الكبرى 7/126, ، وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح وابن
المسيب كان يقال له: رواية عمر، وكان ابن عمر يرسل إليه فيسأله عن بعض شأن عمر
وأمره" ,وذكر ابن التركماني في الجوهر النقي 7/126 أن ابن المسيب لم يثبت
سماعه من عمر، وابن مالك أنكر سماعه منه.).
(13) ــــــ:
( رواه الإمام مالك في الموطأ 2/535 رقم (1114)، والبيهقي في السنن الكبرى 7/126).
(14) ــــ:
(( السنن الكبرى للبيهقي 7/111.).
(15) ـــــ:
( شرح الزركشي 5/23.).
(16) ــــــ:
( ابن قدامة في المغني 9/347).
(17) ــــــ:
( التمهيد 19/89.).
(18) ـــــ:
( نصب الراية 3/167.).
(19) ـــــ:
( مجموع فتاوى شيخ الإسلام 32/35.).
(20) ــــ:
( صحيح ابن حبان 9/386.).
(21) ــــ:
( خلاصة البدر المنير 2/176.).
(22) ــــ:
( تلخيص الحبير 3/156.
(23) ــــ:
(فيض القدير 6/438.).
(24) ــــ:
(سنن الترمذي 3/411.)).
(25) ــــ:
(الذخيرة 4/398.).
(26) ــــ:
(الحاوي 9/58.).
(27) ــــ:
(الإشراف للقاضي عبد الوهاب 2/93).
(28) ـــــ:
( رواه الإمام مسلم في صحيحه 2/1045 رقم (1365)).
(29) ــــ:
(المغني 9/348.).
(30) ــــ:
( رواه الإمام مالك في المدونة الكبرى 4/193).
(31) ـــ:
( المصنف 6/188 رقم (10452).
32 ــــــــ المستصفى للغزالي (1/91 )، شرح مختصر الروضة (1/194)؛
وانظر: المدخل إلى مذهب الإمام
أحمد بن حنبل ص (58)؛
33
ــــ روضة الناظر وشرحها (1/142)؛ جامع العلوم
والحكم ص (375)؛ منظومة القواعد الفقهية وشرحها لابن سعدي ص (33)؛.
34 ـــــ جامع
العلوم والحكم ص (376)
بتصرف واختصار. وانظر: زاد المعاد (5/205)؛ مذكرة أصول الفقه ص (33)؛ المنتقى من الفوائد ص (148) ؛ القواعد
الفقهية لابن سعدي ص (32).
35 ــــــ تكملة
فتح القدير، والعناية والكفاية (8/166).
فائدة : نظم
ابن كمال الهمام ما يثبت مع الإكراه فقال :
يصح مع
الإكراه عتقٌ ورجعةٌ *** نكاحٌ وإيـلاءٌ طلاقٌ مفارقي
وفيءٌ ظهارٌ
واليمـين ونـذره *** وعفوٌ لقتلٍ شابَ عَنهُ مفارقي
انظر : فتح
القدير (3/344) ؛ وانظر في ذلك : الدر المختار (2/421) ؛ وحاشيته
(2/423) وتجد نظمًا آخر.
36 ـــــــ الأم له. ونقله عنه المزني في مختصره، وهو أيضًا في أحكام القرآن له
ونقله الصنعاني في سبله (3/370.
37 ــــــ أخرجه
الدارقطني (497) ؛ وابن حبان
(360) ؛ والحاكم (2/198) وصححه ووافقه الذهبي ؛ وأخرجه ابن ماجة كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي برقم
(2045) لكن سنده منقطع وفي الباب عن ابن عمر وعقبة بن عامر وثوبان كما في نصب الراية (2/65) ؛ وجامع
العلوم والحكم ص (371) والغالب فيها
الضعف لكنها تتقوى بطرقها قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص (230 ): (ومجموع هذه الطرق يظهر أنّ للحديث أصلاً) اهـ. وقال
الشنقيطي في مذكرته ص (33) : (وقد تلقاه
العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة) اهـ. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل (82). وفي
صحيح سنن ابن ماجة (1/348) برقم (1664).
38 ـــــــ زاد المعاد
(5/205، 206)؛ وقد أطال ابن
حزم في المحلى (10/202) في الرد عليهم فارجع إليه.
39 ـــــــ جامع
العلوم والحكم ص (377)؛ فتح القدير (3/344)؛ الشرح الكبير للدردير (2/367)؛ المهذب
(1/78)؛ كشاف القناع (5/235)؛ المغني (10/351.
40 ــــــ الشرح
الكبير (2/367)؛ بداية المجتهد (2/61)؛ المهذب (1/78)؛ مغني المحتاج (3/279)؛ المغني
(10/353)؛ الكشاف (5/236).
41 ــــــــ انظر:
الكفاية (8/168)؛ والمغني (10/353)؛ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميّة (33/110)؛ والقواعد لابن رجب
(323) القاعدة الحادية والخمسون بعد المائة.
والقواعد والأصول الجامعة لابن سعدي ص (109). وقد نبه على هذا ابن القيم في إعلامه (3/108).
42 ــــــ فتح
القدير. الكفاية والعناية (3/344) ؛ الدر المختار
مع حاشيته لابن عابدين (2/421) ؛ اللباب شرح الكتاب (3/45 )، (4/112) ؛ والشرح الكبير
مع حاشيته للدسوقي (2/367) ؛ بداية المجتهد (2/61) ؛ المهذب (2/78) ؛ مغني المحتاج (3/289) زاد المحتاج
للكوهجي (3/357) ؛ المغني (10/350) ؛ كشاف القناع (5/235) ؛ المحلى (10/202) ؛ والفقه الإسلامي وأدلته للرحيلي (7/367). الإمام داود وأثره
لعارف أبو عبيد ص (651). الأحكام الفقهية في المذاهب الأربعة لعساف (2/356.
43ـــــــ بداية
المجتهد (2/61) ؛ فتح القدير (3/344) ؛ جامع العلوم والحكم ص (375.
44 ـــــــ أخرجه
العقيلي كما في نصب الراية (3/222) ؛ وابن حزم في المحلى (10/203) متصلاً وفي سنده بقية بن الوليد وهو
مدلس وقد عنعن،
وروي مرسلاً وليس فيه بقية وفي المتصل والمرسل الغازي بن جبلة قال البخاري : حديثه منكر في طلاق المكره
وكذا قال أبو حاتم : انظر لسان الميزان (4/479) ؛ الكامل لابن
عدي (6/9) نصب الراية (3/222.
45 ـــــ أخرجه
أبو داود في سننه كتاب الطلاق باب الطلاق على الهزل رقم (2194) ؛ والترمذي في جامعه
كتاب الطلاق باب ما جاء في الجد والهزل رقم (1184) ؛ وابن ماجة في سننه كتاب الطلاق
باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا رقم (2039) ؛ والحاكم في مستدركه كتاب الطلاق
(4/18) وفي سنده عبد الرحمن بن حبيب قال عنه النسائي منكر الحديث. ذكره ابن حبان في
الثقات وقال الحاكم من ثقات المدنيين التهذيب (6/144، 145) ؛ الكاشف (2/143) وقال
عنه ابن حجر لين الحديث ؛ التقريب (1/476) وفي الباب عن فضالة بن عبيد وعبادة بن
الصامت وأبي ذر. انظر : تلخيص الحبير
(3/236) ؛ مختصر البدر المنير ص (213) ؛ التعليق المغني (4/19) وغالبها ضعاف لكنها تتقوى بطرقها وحسن الحديث الترمذي
وابن حجر والألباني في إرواء الغليل (1826) وصحيح سنن ابن ماجة برقم (1658.
46 ــــــ فتح
القدير (3/344) ؛ والعناية بحاشيته ؛ بدائع الصنائع
(3/99.
47 ـــــــ ذكره
ابن كمال الهمام في فتح القدير (3/344) ولم أجد له سندًا فيما وقفت عليه من كتب أهل العلم والله تعالى
أعلم.
48ـــــــ أخرجه
مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب الوفاء بالعهد برقم (1787.
49 ـــــــ فتح
القدير (3/344.
50 ــــــ الهداية
(3/344) ؛ والعناية وحاشية سعدي جلبي (بحاشية الهداية) ؛ وانظر : المغني (10/350.
51 ـــــــ المحلى
(10/204.
52 ـــــ تهذيب
السنن لابن القيم (6/188) بحاشية عون المعبود باختصار. وانظر : إعلام الموقعين (3/108 )؛
زاد المعاد (5/204) ؛ وإغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ص (50-61.
53 ــــ زاد
المعاد (5/206-209) ؛ المحلى (10/202، 203) ؛ وانظر : نصب الراية (3/223، 224.
54 ـــــ أخرجه
سعيد بن منصور كما في زاد المعاد (5/ 208) وفي إسناده فرج بن فضالة ضعفه الدارقطني وقال ابن حبان
يقلب الأسانيد ويلزق المتون
الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به. الكاشف (2/326) ؛ والتهذيب (8/234، 235.
55 ـــــــ زاد
المعاد (5/204، 205) ؛ حكم طلاق الغضبان ص (46، 61، 67) ؛ وانظر : المحلى (10/205.
56 ـــــــ على
حد عبارة الإمام الشافعي التي رواها عنه العلماء ("سبل السلام" جـ 2 ص
177).
57 ــــــ أخرجه
أحمد في مسنده (6/276) ؛ وأبو داود في سننه كتاب الطلاق باب في الطلاق على غضب رقم (2193 )، وابن
ماجة في سننه كتاب الطلاق باب طلاق المكره رقم (2046) ؛ والحاكم في
مستدركه كتاب الطلاق باب لا طلاق في إغلاق (2/198) ؛ والدارقطني في سننه (4/36) وفي سنده محمد بن عبيد بن أبي
صالح، وقد وقع في سنن ابن ماجة عبيد بن أبي صالح وهو خطأ كما نبه عليه الحافظ ابن
حجر في تهذيب التهذيب (7/63) وتقريبه
(1/543) ومحمد هذا ضعيف، وقد تابعه زكريا بن إسحاق ومحمد بن عثمان كما عند الدارقطني والبيهقي والحاكم
إلا أن الراوي عنهم قزعة بن سويد وهو ضعيف كما في التقريب (2/126) والتهذيب (8/336) وفي الحديث ابن
إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، انظر : مراتب
الموصوفين بالتدليس ص (132) وتابعه عبد الله بن سعيد الأموي كما عند الحاكم وهو ثقة من رجال الشيخين كما في
التقريب (1/420). فالحديث حسن إن شاء الله تعالى وقد رمز السيوطي لحسنه كما في الجامع الصغير رقم (9905).
وحسنه المحدث الألباني في إروائه (2047) وفي صحيح سنن ابن ماجة (१६६५।
58ـــــ الإغلاق في أصل اللغة بمعنى الحبس والإقفال يقال غَلَق الباب وغلَّقه। قال تعالى: "وغلَّقت الأبواب" والتضييق والتعسّر أيضًا يقال استغلق الباب أي عَسُرَ فتحه। وهذه المعاني المرادة في الحديث، فالمراد انسداد باب العلم والقصد فيضيق صدره ويتعسر عليه تفكيره ويقفل عنه باب الإرادة وهي المرادة في اللغة كما فسرها به صاحب اللسان.
59 ــــــ أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا مجزومًا به في كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران، قال الحافظ
في الفتح (9/305) وصله البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن
عابس بن ربيعة أن عليًا قال॥ فذكره، وهكذا أخرجه سعيد بن منصور عن جماعة من أصحاب الأعمش عنه، وصرح في بعضها بسماع عابس بن ربيعة من علي.اهـ.
60 ــــــــ أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا مجزومًا به، في كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والمكره
والسكران، قال الحافظ في الفتح (9/303) وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعًا عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد المزني عن عكرمة عن ابن عباس.اهـ.
61 ـــــــ أخرجه مالك في الموطأ كتاب الطلاق باب جامع الطلاق ص (376) برقم (1245) وإسناده صحيح.
62 ـــــــ المغني (10/351)؛ زاد المعاد (5/204.
63 ــــــــ حجة الله البالغة (2/138). .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .

بحث وجمع وتحقيق : إسحاق بن موسى بن الشيخ سيديا
كان الله تعالى لهم بمنه
وفضله وكرمه وليا ونصيرا ــــــ آمين ــــــــ




وسطية الشريعة الغراء... في مسألة الجلوس للعزاء

بسم الله الرحمن الرحيم
وسطية الشريعة
الغراء... في مسألة الجلوس للعزاء
الحمد لله رب
العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا، وربا شاهدا، ونحن له مسلمون، وأشهد أن سيدنا
ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله
به الغمة صلى الله عليه، وعلى آله وأزواجه
الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه
نقلة يسيرة، أردت بها بيان الهدي النبوي في مسألة الاجتماع للتعزية عند أهل الميت
ومناولتهم الطعام لمن يحل بهم من ضيفان الآفاق والنواحي النائية، ذلك أن الناس في
أيامنا هذه ذهبوا في المسألة مذهبين اثنين هما مذهبا الإفراط والتفريط المذمومان
شرعا، فبين من يبالغ في إقامة المآدب وبناء الخيام، والتنويع في تقديم الشراب
والطعام، واستقبال الهدايا من المعزين من ممثلي قبائلهم وأقاليمهم ومؤسساتهم،
ويتحول مجلس العزاء إلى مناسبة للتباهي في تقديم النحائر والأموال، والنقاشات
السياسية التي لا طائل من ورائها، ويخاض في كل شيء إلا في الميت بذكر محامده والترحم عليه،
والكلام بما يصبِّر المعزَّى ويخفف عنه مصابه، وبين من يقول برفض كل ذلك، بانيا
موقفه على ردة فعل مبالغ فيها إلى حد الجفاء، الذي ليس هو السنة في شيء.
فأردت أن أبين أن
الهدي النبوي القائم على الوسطية في هذه المسألة هو القصد والاعتدال، وأن الأولى
القيام عن أهل الميت بشؤونهم أيام التعزية تخفيفا ومواساة، وعدم تكليفهم والإثقال
عليهم، فإذا أرادوا أن يقدموا ـ بمحض منهم ـ الضيافة والإكرام لضيوفهم ولاسيما
القادمين من آفاق ومناطق بعيدة، من غير مبالغة ولا إسراف ولا تكلف، فلا حرج في ذلك
ولا ابتداع، وإليك بيان ذلك بالدليل الشرعي البيِّن:
فأقول ـ مستعينا
بالله تعالى ـ
أولا التعزية
لغة: مصدر عزَّى تعزية وهو التسلية والتصبير، قال ابن منظور: "العزاء
الصبر عن كل ما فقدت. وقيل حُسْنُه، عَزِي
يَعْزى عَزَاءً ممدود فهو عَزٍ ويقال إنه لعَزِيٌّ صَبُورٌ إذا كان حَسَنَ
العَزَاء على المَصائِب وعَزَّاه تَعْزِيةً على الحذف والعِوَض فتَعَزَّى، قال
سيبويه لا يجوز غيرُ ذلك" إهـ (لسان
العرب 4/2934) .
وقال الزبيدي في تاج العروس: "(
العَزاءُ ) كسَماءٍ : ( الصَّبْرُ ) عن
كلِّ ما فَقَدْت، ( أَو حُسْنُهُ )، ومنه قوْلُهم: أَحْسَنَ اللّهُ عَزاءَكَ، ( كالتَّعْزُوَةِ )" كذا في
النسخِ والصَّوابُ كالتَّعْزِيَةِ .اهـ ج39ـ ص38.
ثانيا التعزية شرعا: وهي كل ما
يشعر بالتسلية، من قول أو فعل كالوصية بالصبر والخير والمعروف للمصاب والمحزون عند
المصيبة .
قال الإمام النووي: "واعلم أن
التعزية هي التصبير، وذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف عنه حزنه ويهوّن مصيبته، وهي
مستحبة، فإنـها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضا في
قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) وهذا من أحسن ما استدل به في التعزية . اهـ
(الأذكار للنووي 4/140) .
وقال المناوي
التعزية: التصبير، وذكر ما يسلي صاحب
الميت ويخفف حزنه ويهون مصيبته، وذلك لأن التعزية تَفْعلةٌ من العزاء، وهو الصبر،
والتصبير يكون بالأمر بالصبر وبالحث عليه بذكر ما للصابرين من الأجر، ويكون بالجمع
بينهما، وبالتذكير بما يحمل على الصبر. (فيض القدير6/179).

ثالثا ما جاء في فضل إطعام الطعام :
من تأمل الشريعة الربانية وجد أنها
أولت معايش الناس وأرزاقهم عناية عظيمة، فسدت كل طريق لاحتكار الطعام، أو التضييق
على الناس فيه، وفتحت كل طريق يؤدي إلى إطعام الطعام وبذله، ورتبت عليه الأجور
العظيمة.
ومن أوائل الخطاب النبوي المكي في المرحلة السرية يوم لم
يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا حر وعبد، سأله عمرو بن عَبَسَة:(ما الإسلام.؟
فقال صلى الله عليه وسلم: طِيبُ الْكَلاَمِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ) رواه أحمد، فكان
إطعام الطعام حاضراً في أول خطابات الدعوة المكية، ولما هاجر إلى المدينة كان أول
خطاب له صلى الله عليه وسلم فيها فيه ذكر الإطعام والحض عليه، إذ قال في مقدمه
للمدينة: (يا أَيُّهَا الناس أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ
وَصِلُوا الْأَرْحَامَ وَصَلُّوا بالليل وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِسَلَامٍ) رواه
الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي، وصححه الألباني والأرنؤوط .
وسئل
النبي صلى الله عليه وسلم: (أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعَامَ
وَتَقْرَأُ السَّلَامَ على من عَرَفْتَ وَمَنْ لم تَعْرِفْ) متفق عليه.
و في أوصاف الأبرار، وذكر أعمالهم التي استحقوا
بها الجنة، كان من أعمالهم ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا
وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ
جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ .
كما كان من أوصاف أهل النار، وذكر أفعالهم التي أوجبت
لهم النار أنهم حبسوا الطعام عن المحتاجين، ولم يدعوا غيرهم للإطعام ﴿ مَا
سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
المِسْكِينَ ﴾ , وفي آيتين أخريين ﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ ﴾ .
ولما شرع الله تعالى التقرب إليه بالهدايا والضحايا أمر
بالإطعام منها ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ ﴾ وفي آية
أخرى ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ ﴾.
ومن
أسباب النجاة من عذاب النار بذل الطعام للمحتاج إليه ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ
ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ أي: بذله في المجاعة.
ومِن إطعام الطعام إكْرَام الضيف، قال
حاتم الأصم : "كان يُقال : العَجَلة مِن الشيطان إلاَّ في خَمْس : إطعام
الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدْرَكَتْ، وقَضاء
الدَّين إذا وَجَب، والتوبة مِن الذَّنب إذا أذْنَب".
وقال
عليه الصلاة والسلام : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ
بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لِمَنْ
هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ
وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ".
رواه الإمام أحمد والترمذي. وحسّنه الألباني والأرنؤوط.
قال المناوي في تفسير الحديث: (.."لِمَن أطْعَم الطَّعَام" في الدنيا
للعِيال والفقراء والأضياف والإخوان ونحوهم) اهـ .
وخير الناس مَن أطْعَم الطعام؛ لأن إطعام الطّعام دليل على خيريّة الإنسان .
وعن موسى بن أنس عن أبيه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(إذا جاءكم الزائر فأكرموه). أخرجه
الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 115 ، رقم 326) ، والديلمي (1/339 ، رقم 1351) .
وأخرجه ـ أيضًا ـ أبو الشيخ في الأمثال (ص 88 ، رقم 148) ، والقضاعي (1/445 رقم
763).
وعن أبي الخير أنه سمع عقبة بن عامر
يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:( لا خير فيمن لا يُضِيف) و بإسناده قال
: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ لَا يُنْزِلُونَ
الضَّيْفَ). أخرجه أحمد (4/155 ، رقم 17455) ، قال الهيثمي (8/175) : رجاله رجال
الصحيح غير ابن لهيعة وحديثه حسن . والبيهقي في شعب الإيمان (7/91 ، رقم 9588) .



رابعا إطعام الطعام بعد دفن الميت
عن
عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ
قَالَ:خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
جَنَازَةٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ
عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ أَوْسِعْ مِنْ
قِبَلِ رَأْسِهِ فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ
بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا فَنَظَرَ
آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُوكُ لُقْمَةً
فِي فَمِهِ ثُمَّ قَالَ أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا
فَأَرْسَلَتْ الْمَرْأَةُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ
يَشْتَرِي لِي شَاةً فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدْ اشْتَرَى
شَاةً أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا فَلَمْ يُوجَدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى
امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعِمِيهِ الْأسَارَى - رواه أبو داود في سننه رقم 2894
والبيهقي في دلائل النبوة ، والسنن الكبرى 5/335 ، وأحمد في المسند 5/293- 294 -
والدارقطني 4/685(- وقال الحافظ
الزيلعي: إسناده صحيح ، انظر: نصب الرّاية في تخريج أحاديث الهداية )4/168(. قال الألباني: صحيح.
وقال العلامة المحدث مُلا علي بن سليمان محمد القاري
الحنفي في كتابه "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" في باب معجزات
النبي صلي الله عليه وسلم في شرح هذا الحديث: (هذا الحديث بظاهره يرد على ما قرره
أصحاب مذهبنا من أنه يكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول أو الثالث أو بعد الأسبوع
كما في البزازية وذكر في الخلاصة أنه يباح اتخاذ الضيافة عند ثلاثة أيام ، وقال
الزيلعي: ولا بأس بالجلوس للمصيبة إلى ثلاث من غير ارتكاب محظور من فرش البسط
والأطعمة من أهل البيت، وقال ابن الهمام: يكره اتخاذ الضيافة من أهل البيت، والكل
عللوا بأنه شرع في السرور لا في الشرور، قال وهي بدعة مستقبحة ، وروى الإمام أحمد
وابن حبان بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال: "كنا نعد الاجتماع لأهل
الميت وصنعهم الطعام من النياحة" انتهى ، ثم قال ملا علي القاري: "فينبغي
أن يقيد كلامهم بنوع خاص من اجتماع يوجب استحياء أهل بيت الميت فيطعمونه كرها أو
يحمل على كون بعض الورثة صغيرا أو غائبا أولم يعرف رضاه أولم يكن الطعام من أحد
معين من مال نفسه لا من مال الميت قبل قسمته ونحو ذلك، وعليه يحمل قول قاضي خان:
يكره اتخاذ الضيافة في أيام المصيبة لأنـها أيام تأسف فلا يليق بـها ما يكون
للسرور، وإن اتخذ طعاما للفقراء كان حسنا، وأما الوصية باتخاذ الطعام بعد موته
ليطعم الناس ثلاثة فباطلة على الأصح وقيل يجوز من الثلث وهو الأظهر . اهـ (مرقاة
المصابيح شرح مشكاة المصابيح 5/482) .
وعن مَرْيَم بنت فَرْوَةَ، أَنَّ
عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، لَمَّا حَضَرَهُ الْوَفَاةُ، قَالَ:"إِذَا أَنَا
مُتُّ فَشُدُّوا عَلَى بَطْنِي عِمَامَةً، وَإِذَا رَجَعْتُمْ فَانْحَرُوا
وَأَطْعِمُوا" - رواه الطبراني في الكبير، ورواه الحافظ نور الدين علي
بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج3ص85 - باب في الطعام يصنع .
وعن طاووس بن كيسان وعبيد بن عمير ومجاهد: (إن الموتى
يفتنون في قبورهم سبعاً فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام) ، وفي بعض
الروايات "من يوم دفن الميت" - رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد ،
والحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ج2ص12 والشيخ كمال الدين الدميري من الشافعية في حياة
الحيوان ، والحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ، انظر كل ذلك (من الحاوي
للفتاوى للحافظ السيوطي -2/168) .
وممن نقل هذا الأثر ـ أيضا ـ من العلماء في كتبهم،
الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في كتابه (المطالب العالية 1/199) ، والحافظ أبو
الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه (صفة الصفوة 1/191) ، والإمام شهاب الدين
أحمد بن حجر الهيثمي في كتابه (الفتاوى الكبرى الفقهية 2/30 – 31) والإمام محمد بن الحسن الواسطي في كتابه (مجمع
الأحباب وتذكرة أولي الألباب 2/444) ، وكلهم صححوا إسناد هذا الأثر ونقلوه في
ترجمة طاووس بن كيسان، وقد روي هذا الأثر عن ثلاثة من كبار التابعين طاووس بن
كيسان ، وعبيد بن عمير ، ومجاهد .
وقال صاحب التحقيق لكتاب المطالب العالية بزوائد المساند
الثمانية للحافظ ابن حجر العسقلاني، الأستاذ المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي
"إسناده قوي" . (المطالب العالية 1/199) .
قال الحافظ السيوطي: رجال الإسناد الأول رجال الصحيح ،
وطاووس من كبار التابعين قال أبو نعيم في الحلية: هو أول الطبقة من أهل اليمن،
وروى أبو نعيم عنه أنه قال: أدركت خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وروى غيره عنه أنه قال أدركت سبعين شيخا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قال ابن سعد: كان له يوم مات بضع وتسعون سنة، ثم قال السيوطي: فإن وفاة طاووس سنة
بضع عشرة ومائة في أحد الأقوال . اهـ ، (الحاوي للفتاوي 2/169) .
قال السيوطي: وهو – أي عبيد بن عمير - أكبر من طاووس في
التابعين، بل قيل إنه صحابي . اهـ (الحاوي للفتاوي 2/168) ، وقال أيضا: وهما
تابعيان - أي مجاهد وعمير - إن لم يكن عمير صحابياً، إلى أن قال السيوطي- قوله:
(كانوا يستحبون) من باب قول التابعي كانوا يفعلون وفيه قولان لأهل الحديث والأصول
، أحدهما: أنه من باب المرفوع وأن معناه كان الناس يفعلون ذلك في عهد النبي صلى
الله عليه وسلم ويعلم به ويقرّ عليه والثاني: أنه من باب العزو إلى الصحابة دون
انتهائه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . اهـ (الحاوي للفتاوي 2/173) . اهـ .
وكلاهما حجة كما هو معلوم .
وَعنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ
: كنت أسمع عُمَر بْنَ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ الله عَنْهُ يَقُولُ
: لاَ يَدْخُلُ رجل مِن قُرَيش فِي بَابٍ إِلاَّ دَخَلَ مَعَهُ ناس فَلا أَدْرِي
مَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ حَتَّى طُعِنَ عُمر فَأَمَرَ صُهَيْبًا أَنْ يُصَلِّيَ
بِالنَّاسِ ثَلاَثًا ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَجْعَلَ لِلنَّاسِ طَعَامًا ، فَلَمَّا
رَجَعُوا مِنَ الْجَنَازَةِ جاءوا وقد وُضِعَتِ الْمَوَائِدُ، فَأَمْسَكَ النَّاسُ
عَنْهَا، لِلْحُزْنِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَجَاءَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَا بَعْدَهُ وَشَرِبْنَا ، وَمَاتَ أَبُو
بَكْرٍ فَأَكَلْنَا بَعْدَهُ وَشَرِبْنَا، أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِنْ هَذَا
الطَّعَامِ، فَمَدَّ يَدَهُ وَمَدَّ النَّاس أَيْدِيَهُم فَأَكَلُوا، فَعَرَفْتُ
تَأَويل قَوله.
رواه أحمد بن منيع بسند فيه علي بن
زيد بن جدعان، انظر مطالب
العالية في (باب صنعة الطعام لأهل الميت) (1/198-199) وقال صاحب التحقيق لكتاب
المطالب العالية بزوائد المساند الثمانية للحافظ ابن حجر العسقلاني، الأستاذ
المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي: إسناده حسن.
أما حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الْبَجَلِيِّ (كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنِيعَةَ
الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ) ـ الذي رواه الإمام أحمد في مسنده:ج2/ص204 ح6905 ـ :فإنه لا يحرم الإطعام عن الميت
المسلم عقب دفنه، وإطلاق المنع من صنع الطعام عقب دفن الميت مردود، بل ورد عكس ذلك
في كتب الحديث والفقه، وهو صنع الطعام في هذه الحالة، وذلك لمَّا جاء نعي جعفر بن
أبي طالب رضي الله عنه، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاما
فقد جاءهم ما يشغلهم) رواه الترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه ووافقه
الذهبي .
وعَنْ عَائِشَةَ زَوْج النبي - صلى
الله عليه وسلم - أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا
فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ، إِلاَّ أَهْلَهَا
وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ
فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « التَّلْبِينَةُ
مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ » – الحديث . رواه البخاري ح5417 ومسلم ح5900، (فتح الباري
1/146) و (التاج الجامع للأصول(3/208) .
وورد بذلك ـ أيضا ـ نصوص وآثار ثابتة عن الصحابة رضوان
الله عليهم أجمعين كما قدمنا، وخرج بذلك قول من أطلق أن صنع الطعام عقب الدفن حرام،
من غير استثناء ولا تقييد ولا تخصيص، فأين قائل ذلك من كل هذه الأثار والسنن
الواضحة المتعاضدة، نسأل الله أن يقينا فتنة الغلو والجفاء.
وقد ورد في مشروعية الصدقة عن الميت أحاديث وآثار كثيرة،
كحديث عَائِشَةَ
- رضي الله عنها - أَنَّ رَجُلاً قَالَ
لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا،
وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ
عَنْهَا قَالَ « نَعَمْ » – (رواه الشيخان والنسائي، وانظر التاج 1/383) فهذا
الحديث وحده كاف حجة ودليلا، إذ لم يقيد صلى الله عليه وسلم التصدق عن الميت بوقت
دون وقت، ومن زعم التخصيص أو التقييد بوقت طُلب منه الدليل والبرهان والحجة، لأنه
تخصيص بلا دليل، إذ لا تخصيص بدون مخصص ولا تقييد بدون مقيد.
وأما الزعم بأن
حديث جرير بن عبد الله البجلي يخصص عموم حديث عائشة الصحيح، فهذا ـ أيضاـ زعم باطل
لم يقل به أحد من أهل العلم لا سلفا ولا خلفا.
وعقدُ كتب الحديث لباب في ماورد في فضل صنع الطعام مشهور
بعد باب التعزية، أو في أبواب الصدقة، كصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي،
وابن ماجه، ومطالب العالية، ومجمع الزوائد، وكثير من علماء الحديث عقدوا في كتبهم
(أبواب الإطعام عن الميت) وذلك بعد باب التعزية مباشرة، مما يدل على أن الإطعام عن
الميت في هذه الحالة مستحب .
خامسا دليل المانعين
أمـّا المنع الوارد في حديث جرير بن عبد الله البجلي
(كنا نعد الاجتماع لأهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة) رواه أحمد وابن ماجه،
فمخصوص في تـهيئة الطعام للنائحات، أو لقصد مجرد الاجتماع للطعام أو للمعزين فقط،
أو من تركة الميت قبل قسمتها، لا لقصد إطعام الطعام، أو إكرام الضيوف أو التصدق عن
الميت الذي أجمعت عليه الأمة بغير قيد بوقت معين بل في كل وقت وحين، عقب الدفن أو بعده ، ومعلوم
كما تنص القاعدة المشهورة أن الأمور بمقاصدها، لقوله صلى الله عليه وسلم ( إنما
الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه الشيخان وأصحاب السنن .
وأقوال العلماء في ذلك خير شاهد: قال الإمام النووي في
كتابه المنهاج (و - يُسنُّ - لجيران أهله تـهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم، ويحرم
تـهيئته للنائحات) قال شارحه ابن جحر الهيثمي في تحفة المحتاج: لأنه إعانة على
معصية، وما اعتيد من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس عليه بدعة مكروهة – اهـ
(تحفة المحتاج 3/207- 208). وانظر قوله "ليدعوا الناس عليه" وهو مجرد
دعوة الناس لأجل الطعام فقط، لا لغرض صحيح آخر كإكرام الضيف، أو الصدقة عن الميت ..ونحوه
من الأمور المشروعة، فلحق الفساد العمل من جهة اعتلال النية والقصد، ليس للعمل
بمجرده أولذاته.
و قال ابن قدامة ـ رحمه الله تعالى ـ
: "وجملته أنه يستحب إصلاح طعام لأهل الميت، يبعث به إليهم، إعانة لهم، وجبرا
لقلوبهم؛ فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم" المغني
(3/496رقم المسألة387) فقول ابن قدامة
هذا فيه دليل على أن الاجتماع للعزاء وتقديم الطعام لأهله هما قوله ورأيه.
وقال أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي
العبادي اليمني - الزَّبِيدِيّ (المتوفى : 800هـ)
"إذَا أَوْصَى أَنْ يَتَّخِذ
طَعَامًا لِلنَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِلَّذِينَ يَحْضُرُونَ التَّعْزِيَةَ
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ
الثُّلُثِ لِلَّذِي يَطُولُ مُقَامُهُ عِنْدَهُمْ وَلِلَّذِي يَجِيءُ مِنْ بَعِيدٍ
وَيَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي لَا يَطُولُ
مُقَامُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. (الجوهرة النيرة الجزء6 الصفحة 214)
وجاء في كتاب الدر المختارالجزء6
صفحة 665 وفيها عن أبي جعفر أنه إن أوصى باتخاذ الطعام بعد موته و بأن يطعم الذين
يحضرون التعزية، جاز من الثلث، ويحل لمن طال مقامه ومسافته، لا لمن لم يطل، ولو
فضل طعام إن كثيرا يضمن وإلا لا ا هـ.

وقال الشيخ محمد خطيب الشربيني في كتابه مغني المحتاج : "( وَ ) يُسَنُّ
(لِجِيرَانِ أَهْلِهِ ) وَلِأَقَارِبِهِ الْأَبَاعِدِ وَإِنْ كَانَ الْأَهْلُ
بِغَيْرِ بَلَدِ الْمَيِّتِ ( تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ ) أَيْ أَهْلَهُ
الْأَقَارِبَ ( يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ
{ لَمَّا جَاءَ خَبَرُ قَتْلِ
جَعْفَرٍ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَر طَعَامًا فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ }
حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَلِأَنَّهُ بِرٌّ وَمَعْرُوفٌ
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَاضِحٌ إذَا
مَاتَ فِي أَوَائِلِ اللَّيْلِ ، فَلَوْ مَاتَ فِي أَوَاخِرِهِ فَقِيَاسُهُ أَنْ
يُضَمَّ إلَى ذَلِكَ اللَّيْلَة الثَّانِيَة أَيْضًا لَاسِيَّمَا إذَا تَأَخَّرَ
الدَّفْنُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ( وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ ) نَدْبًا ( فِي
الْأَكْلِ ) مِنْهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِئَلَّا يَضْعُفُوا، فَرُبَّمَا
تَرَكُوهُ اسْتِحْيَاءً أَوْ لِفَرْطِ الْحُزْنِ، وَلَا بَأْسَ بِالْقَسَمِ إذَا
عَرَفَ الْحَالِفُ أَنَّهُمْ يَبرُّونَ قَسَمَهُ (مغني المحتاج 1/367- 368) .
قال الحافظ السيوطي: أن سنة الإطعام سبعة أيام بلغني
أنـها مستمرة إلى الآن بمكة والمدينة ، فالظاهر أنـها لم تترك من عهد الصحابة إلى
الآن وأنـهم أخذوها خلفا عن سلف إلى الصدر الأول .
إهـ (الحاوي للفتاوي 2/183) .
أما وجه عدّه من النياحة: فقد قال الهيثمي في التحفة: "وَوَجْهُ
عَدِّهِ مِنْ النِّيَاحَةِ مَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ
الْحُزْنِ وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِيُقْصَدُوا
بِالْعَزَاءِ، قَالَ الْأَئِمَّةُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفُوا فِي
حَوَائِجِهِمْ فَمَنْ صَادَفَهُمْ عَزَّاهُمْ .....إلى أن يقول: نَعَمْ إنْ فُعِلَ
لِأَهْلِ الْمَيِّتِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ يُطْعِمُونَ مَنْ حَضَرَهُمْ لَمْ
يُكْرَهْ "– اهـ من تحفة المحتاج، ج:11 صفحة:440.
ومعنى ذلك: أن الممنوع هو مجرد الاجتماع لأجل الطعام، أو
لقصد العزاء فقط، مما يثير الهموم والأحزان، أما إن صنع أهل الميت والجيران وغيرهم
طعاما لباقي أهل الميت القريبين له مع العلم بأن هناك من يأكل معهم من الضيوف
المسلمين لم يكره؛ لأن هذا ليس من قبيل النياحة، بل من باب المعروف والإحسان
والصدقة، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول فيما أخرجه الشيخان (وَمَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ).
وجميع عبارات العلماء من المحدثين والفقهاء تشير إلى أن
سبب الحِرمة مقصور في هيئـة مخصوصة من فعل أمور غير مشروعة، كتهيئة الطعام
للنائحات، أو لأجل اجتماع الناس على أكله فقط، أو لجلوس أهل الميت لقصد عزاء الناس
إليهم، أو لأجل جمع الناس للعزاء على أهل الميت فقط .. ونحو ذلك .
أما إطعام الطعام، أو إكرام الضيوف المعزين، أو الصدقة
عن الميت ـ سواء كانت عقب الدفن أو بعده ـ فليست داخلة في هذا الباب، وليست مقيدة
بوقت دون وقت كما قدمنا؛ لأن هذه المسائل في واد و النياحة في واد آخر، لا يخلط بينـهما
إلا من قصر فهمه.
سادسا الجواب عن دليل المانعين
تبين مما سبق أن أظهر دليل عند المانعين من الاجتماع
وإطعام الطعام عند العزاء من غير اعتداد بالضوابط التي أوردناها سلفا هو الأثر الذي
روي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: ( كنا نعد الاجتماع وصنعة الطعام
لأهل الميت أو عند أهل الميت أو الأكل عند أهل الميت من النياحة ) هذا الحديث عليه
مأخذ حديثي ومأخذ فقهي.
أما بالنسبة للناحية الحديثية فهذا
الحديث مروي من طريق: هشيم بن بشير عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن
جرير، أخرجه ابن ماجة في سننه، وأيضاً أخرجه الإمام أحمد من طريق راوٍ يقال له:
نصر بن باب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير، فـنصر بن بابٍ
اتهم بالكذب قال البخاري: يرمونه بالكذب، وهذا من مشايخ الإمام أحمد القلائل جداً
الذين تكلم فيهم بالضعف بل بالكذب، مشايخ الإمام أحمد الذين رموا بالكذب قلة جداً،
ومنهم هذا الشيخ، فمتابعة نصر بن باب لـ هشيم لا تعويل عليها من الأصل فاطرحها
جانباً، فلا تعويل على رواية نصر بن باب .
بقيت رواية هشيم بن بشير عن إسماعيل
عن قيس عن جرير، فهشيم مدلس، وتدليسه في الحقيقة مؤثر، وخاصة إذا تفرد بإخراج
الحديث ابن ماجة في سننه من بين أصحاب الكتب الستة، فتفرد ابن ماجة بإخراج الحديث
بهذا السند مشعر بشيء من الضعف، لكن التعويل في التضعيف على أنه معنعن الإسناد،
والحديث أورده الدارقطني في كتاب العلل الجزء المخطوط، وقال: رواه شريج بن يونس و
الحسن بن عرفة عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد، ورواه خالد المدائني فذكر إسناداً
لـ خالد، لكن خالداً -أصلاً- متروك وكذاب، ثم قال الدارقطني في خواتيم مقالته: وخرجوه
عن هشيم عن شريك عن إسماعيل، فكأن هناك واسطة بين هشيم وبين إسماعيل، ومن الذين
خرجوه؟ الله أعلم لكن الآن الإسناد
الموجود أمامنا: هشيم عن إسماعيل و هشيم عنعن، وعنعنته مؤثرة مضرة، فتدليسه من
النوع الشديد، فالحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حسنه
بعض العلماء الأفاضل المعاصرين، لكن الذي تطمئن إليه النفس أن الحديث لا يثبت عن
رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن حسنه يلزمه أن يأتينا بتصريح لـ هشيم بالسماع؛
لأن هشيم مدلس، هذا شيء.
و أما الناحية الفقهية للحديث: فالحديث
على فرض ثبوته تضمن فقرتين "كانوا يعدون الاجتماع" و"صنعة الطعام
لأهل الميت"، كما يفعل عندما يموت ميت، يأتي المعزون للتعزية ويصنعون لهم
طعاماً فالحديث اجتمع فيه فقرتان، فهل
الواو في قوله: ( كانوا يعدون الاجتماع وصنعة الطعام ) للتشريك أي: كانوا يعدون
الاجتماع مع الأكل أو الواو بمعنى: أو؟ الظاهر الأول، والله أعلم، وعلى هذا درج
الفقهاء، لكن إسناد الحديث -أصلاً- فيه نظر، وأقوال الفقهاء ينصب كثير منها على
الاقتران بين الجلوس وبين الأكل.
سابعا دليل الجلوس للتعزية من سنته
الفعلية ـ عليه الصلاة والسلام ـ
أما إذا مات ميت فتعزية من مات له
ميت مشروعة، فالرسول عليه الصلاة والسلام عزى أصحابه،فعن أُسَامَة بْنِ زَيْدٍ -
رضي الله عنهما - قَالَ أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -
إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا . فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ
وَيَقُولُ « إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ
مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ » . فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ
عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ
بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ
- قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ - كَأَنَّهَا شَنٌّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ،
فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ « هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي
قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ »
متفق عليه.
الشاهد: أن الرسول صلى الله عليه
وسلم أتاها للتعزية، وجلس ورُفع إليه الطفل، وذرفت عيناه بالدمع، فسأله سعد بن
عبادة : ما هذا يا رسول الله؟! قال: ( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده) فالرسول
صلى الله عليه وسلم جلس وجلس معه سعد بن عبادة وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ
كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وطائفة من أصحابه، فهم جلسوا مع الرسول عليه الصلاة
والسلام مجتمعين للتعزية.
و ـ أيضاً ـ ذهب الرسول عليه الصلاة
والسلام للتعزية عندما استشهد جعفر رضي الله عنه، فبعد ثلاثة أيام ذهب إلى بيت
جعفر، فعزى آل جعفر على موت جعفر، وأتي له بأولاده فدعا لهم عليه الصلاة والسلام.
ثم ـ أيضاً ـ في الصحيحين أن عائشة
رضي الله عنها كان إذا مات لها الميت وانصرف الناس وبقي أهل الميت، أمرت بالتلبينة
فصنعت وقالت: إنها مذهبة للحزن، مجمة لفؤاد المريض، فكانت تأمر لهم بنوع من الطعام
ليأكلوه وقد تقدم الحديث كاملا، فالشاهد:
أن أصل التعزية مشروع، وصنع الطعام لأهل الميت مطلوب، كما أن التعزية في حقيقتها
نوع من أنواع المواساة وجبر للخواطر وكلها معان حثت عليها نصوص شريعتنا واقتضتها
مبادئها السمحة.
ثم إن حديث الرسول صلى الله عليه
وسلم: ( اصنعوا لأهل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم ) العلة أنه قد أتاهم ما
يشغلهم، وهذا يفيد أنهم إذا كانوا غير مشغولين عن صناعته؛ فلا يشرع صنع الطعام
لهم، بل يصنعونه هم، فيختلف الحكم باختلاف التعليل الوارد في الحديث.
فالخلاصة: إذا كان يشق على أهل الميت
صنع الطعام ترفع عنهم هذه المشقة، لحديث جعفر عند من صححوه، وقد قال بمقتضاه
الجمهور، والله أعلم.
أما حديث جعفر : ( أمهل الرسول
ثلاثاً ثم ذهب إلى آل جعفر ) فصحيح وتخصيص التعزية بثلاثة أيام لا أعلم عليه
دليلاً، فقد جاء في سنن أبي داود وابن ماجه والنسائي: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ جَعْفَر أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْهَلَ آلَ
جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ لَا تَبْكُوا عَلَى
أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي فَجِيءَ بِنَا
كَأَنَّا أَفْرُخٌ فَقَالَ ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ
رُءُوسَنَا".
وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرَ ،
قَالَ : "لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَتَى رَسُولُ الله
صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم أَسْمَاءَ، فَقَالَ لَهَا : أَخْرِجِي إِلَيَّ وَلَدَ
جَعْفَرَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَضَمَّهُمْ إِلَيْهِ وَشَمَّهُمْ قَالَ :
فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أُصِيبَ جَعْفَرُ ؟ قَالَ :
نَعَمْ، أُصِيبَ الْيَوْمَ فَرَجَعَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم
إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ: إِنَّ بِأَهْلِ جَعْفَرَ شُغْلاً عَنْ أَنْفُسِهِمْ ،
فَاصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا فَابْعَثُوا بِهِ إِلَيْهِمْ قَالَ عَبْدُ الله بْنُ
أَبِي بَكْرٍ: فَمَا زَالَتْ سُنَّةً حَتَّى تَرَكَهَا النَّاسُ" رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ.
وهكذا فإن الاجتماع للعزاء، وإطعام
الطعام، وإكرام الضيف، مواساة للمصابين، أمور حث عليها ديننا القويم، وأكد على
ضرورة مواساة أولـيـاء الـميت، ومشاركتهم في العزاء، وتقديم العون لهم، وندب
المسلمين إلى كل ذلك في مختلف الأزمان والعصور.
فقد ورد عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (من عزى مصابا فله مثل أجره) أخرجه الترمذي (3/385 ، رقم 1073) وابن ماجه (1/511 ،
رقم 1602) والبيهقي (4/59 ، رقم 6880) .
وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه اللّه من
حلل الكرامة يوم القيامة). أخرجه ابن ماجه
(1/511 ، رقم 1601) وأخرجه ـ أيضًا ـ الديلمي (4/27 ، رقم 6081) والرافعي (2/250)
قال المناوي (5/495) : قال النووي في الأذكار : إسناده حسن .
فـهـذه أدلـة عـامـة تـنـص على مشروعية الاجتماع واللقاء عند المصاب وزيارة أولياء
الميت ومـواسـاتـهـم، وتقديم العزاء لهم، إضافة
إلى الأدلة العامة الواردة بشأن التعاون على البر والتقوى، ومـواسـاة الإخوان، وزيارة
المؤمنين وإدخال السرور على قلوبهم، وصلة الأرحام..
وغيرها من العموميات التي تشمل هذا النوع من الاجتماع و الائتلاف والتعاون، وتدفع الإنسان
المؤمن للوقوف إلى جنب أخيه المؤمن في الشدائد ومواطن الابتلاء.
وأما قـضـيـة إطعام المعزين فهي دأب جرى عليها عرف الإنسان، واندفع نحوه بدافع من
فطرته الـبـشـرية، كما أنها وجدت حوافزها ودوافعها الشرعية من خلال النصوص الكثيرة
الواردة في الـحـث عـلـى إكرام الضيف، وإيصال البر والمعروف إلى الناس، وإنفاق ما
زاد عن الحاجة، وبذل الـمستطاع من المال والمتاع، وأوضح دليل على ذلك هو ما رتبت
الشريعة من عظيم الأجر والمثوبة على إطعام الطعام، وإشباع المؤمنين تقربا إلى
اللّه تعالى، كما مرَّ معنا.
فأين من هذا الفعل الذي تمليه الفطرة الإنسانية السليمة السوية، وتقتضيه مبادئ
الشريعة وقواعدها وأصولها ومقاصدها العامة، وتؤكده نصوص الشريعة الصحيحة الصريحة
ادعاءُ من يدعي أنه بدعة ..!
اللهم إلا أن يكون قصده شيئا خارجا
عما ذكرنا بضوابطه التي بينا وأوضحنا، فله ذلك بحجة وبرهان، لا بمحض هوى واستحسان.
وهـل يعقل أن تحرم الشريعة الإسلامية إكرام الضيف المعزي وتقديم الطعام له، لاسيما
وأن أغلب هؤلاء المعزين يأتون من مناطق بعيدة ونائية، ويتركون أعمالهم وشؤونهم
الخاصة، قاصدين مواساة أولـيـاء الـميت؛ أداء للواجب الديني والإنساني.
من هنا نرى بعض علماء الأمة حين ينظر
إلى الواقع بعين الإنصاف والحكمة، يستدرك ما أطلقه من التحريم بالقول: ( وَإِنْ
دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ جَازَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَاءَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ
مَيِّتَهُمْ مِنْ الْقُرَى وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ،
وَلَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا أَنْ يُضَيِّفُوهُ)
"المغني لابن قدامة ج:5,ص:48".
ثامنا الخاتمة
هكذا يتبين أن ديننا الحنيف حين يؤخذ
بوسطيته وسماحته، بعيدا عن تأثير الأغراض والحظوظ والنزعات والأهواء، لا ينفر بحال
من أن تُشرَبَه العقول والفطر السليمة، فهو كل الحسن والجمال والسهولة واليسر، فمن
أوغل فيه برفق وصل، ومن انبت انقطع وضل.
وليس في الاجتماع للتعزية عند أهل
الميت ـ قصدا إلى التخفيف عنهم ومواساتهم في مصيبتهم ـ حرج أيُّ حرج، ما لم يصاحب
ذلك ارتكاب مالا يناسب مقام التعزية من الخوض واللغو والعبث، أو الإسراف والتبذير
في تنويع المآكل والمشارب، حتى تتحول المناسبة إلى أشبه بالفرح منها بالحزن فيدخل
الحظر والمنع والبدعة بتلك الأمور الخارجة على أصل الفعل المباح فينسحب عليه حكمها، وقد نهينا عن التكلف والسرف
في مناسبات الأفراح فكيف إذن في مناسبات العزاء والمواساة، والموفَّق من وُفق لهذه
الوسطية وهذا القصد، وقد قيل ..كلا طرفي قصد الأمور ذميم.



كتبه/ إسحاق بن موسى بن الشيخ سيدي
كان الله تعالى له ولجميع المسلمين
ـــ بمنه وفضله وكرمه ــ وليا ونصيرا
آمين